الميلاد في تراث الكنيسة المارونية

 

 

 

 

 

  الميلاد في تراث الكنيسة المارونيّة

 

يكوّن الميلاد والاستعداد له وما يتبعه مباشرة، المرحلة الأولى من السنة الطقسيّة عند الموارنة.

 

 وبما أنَّ الكنيسة، بادئ ذي بدء، كانت تعيِّد ذكرى الميلاد والدنح في اليوم ذاته، أي السادس من كانون الثاني؛ كان لا بدَّ هنا، في كلامنا على الميلاد من ذكر الدِنح وما يرافقه من احتفالات وليتورجيا.

 

تبداْ هذه المرحلة بزمن المجيء، أي الاستعداد للميلاد وانتظار المخلّص، وتنقسم إلى الأسابيع الآتية.

 

أسبوع تجديد البيعة ثمّ أسبوع تقديسها

 أسبوعان يصلان تاريخ الكنيسة بتاريخ العهد القديم الذي عاش ينتظر المخلِّص طوال ألفيّ سنة، ثّم تبدأ سلسة الأحداث التي سبقت الميلاد، بحسب توقيت العهد الجديد وترتيبه.

 

أسبوع بشارة زكريَّا حيث يصمت الكهنوت القديم ليقوم كهنوت المسيح مقامة.

 

أسبوع بشارة العذراء حيث تستعدَّ الكنيسة لاستقبال كلمة الله مثلما استقبلته العذراء مريم بطاعتها وإيمانها.

 

أسبوع زيارة مريم لأليصابات حيث يحيِّي العهدُ القديم، الممثَّل بيوحنا، فاتح العهد الجديد، قبل أن ينسحب عن مسرح الأحداث لأنه انتهى.

 

أسبوع مولد يوحنَّا، ابن النعمة والحنان الإلهيِّين. فقد بدأت النعمة تفيض قبل أن تنزل كاملة في شخص يسوع المسيح.

 

أسبوع البيان ليوسف الذي يجعلنا نستسلم لسرِّ الخلاص العظيم ناهضين من نوم غربتنا، عاملين بما تأمرنا به السماء.

 

أسبوع النسبة حيث ندرك أنّ يسوع، ابن الله، هو أيضًا ابن الإنسان، ابن التاريخ والجغرافيا، فننضمَّ إلى مسيرة الشعوب والآباء.

وهكذا نصل إلى الميلاد حيث نرنِّم مع الملائكة: "المجد لله في العلى وعلى الأض السّلام والرّجاء الصّالح لبني البشر".

بعد الميلاد تحتفل الكنيسة بعيد ختانة الربّ، بدء العام الجديد، ثمّ بوجوده طفلاً في الهيكل.

هنا ينتهي زمن الميلاد ويبدأ زمن الدِّنح، أي الظهور.

 

عيد الدِنح عيد الغطاس، ذكرى عماد يسوع على يد يوحنّا في نهر الأردن، هو انطلاقة حياة يسوع العلنيّة. أمَّا الظهور فهو ظهور الآب القائل: "هذا هو ابني الحبيب"، وظهور الرّوح القدس وهو يحلّ على الربَّ بشبه جسد حمامة. هذا يعني ظهور الثالوث الأقدس في هذا اليوم العظيم؛ ظهور يسوع مسيحًا وابنًا الله.

 

والكنيسة ترى مثالها في عماد يسوع. إنّه مثال عمادها هي وعبورها في الماء. إنّه لقاء بين الله والكنيسة. إنّه العرس، الاتَّحاد السرِّيّ الروحيّ، ربط الأرض بالسّماء كما كان يتوقَّع الأنبياء وتتوق إليه الأجيال: "أمطري أيّتها السماوات من فوق ولتمطر الغيوم الصدّيق".

 

سرَّ الميلاد والدنِح هو سرّ وجود وجه الله في وجه يسوع. كان موسى يضع برقعًّا على عينيه لينظر نحو مجد الله. أمّا الآن فقد رأينا مجده: "ذلك الذي رأيناه، ذلك الذي سمعناه ...

 

 

السنة الطقسيَّة تجعلنا نحيا كلّ هذه الأسرار.

كان الخامس العشرون من كانون الأوَّل عيد  الشمس عند الوثنيِّين فاتّخذته الكنيسة عيد الميلاد شمس البرّ، النور الآتي إلى العالم.

أمَّا أسابيع زمن الدنح الثلاثة الأخيرة فتكرّسها الكنيسة للصّلاة من أجل الكهنة وتشفُّع الأبرار والصدَّيقين، وتذكر موتاها عمومًّا حيث تؤكَّد على أنّ هويَّة المؤمن السريَّة لا تعلن إلّا بعد العبور بمعمودَّية الموت كالمسيح.

 

 

مقتطفات من صلوات هذه المرحلة

"قومي استنيري، أيَّتها البيعة المقدَّسة، لأنَّ البنّاء الحكيم قد أرسى أساساتكِ على صخرته وحصَّن أبوابك بيمينه. قومي استنيري، لأن مخلّص العالم قد جمع بنيكِ بين جدرانك، وجبَّار العالمين قد اختاركِ له مسكنًا. قومي استنيري لأنَّ الربّ القدوس قد أفاض عليكِ من قداسته وأخرج من بنيكِ القدّيسين".

 (قدَّاس تجديد البيعة، من صلاة الغفران).

 

"أيَّتها الغمامة سكبت الندى على المسكونة، ونشرت الطيبَّ على بني البشر؛ أيَّتها الطاهرة التي عطَّرت العاَّلم بالشذا المسيحي؛ أيَّتها المباركة تفجرت من حشاها الينابيع الحيَّة تسقي الخلائق وتغسل الأدران. أفيضي علينا، في ذكرى بشارتكِ، فيضًا سخيًّا وندى طيبًّا، وليجد الموتى المؤمنون في عيد هذا الراحة الأبديةَّ "

(من قدّاس أحد البشارة).

 

"يا ولدًا بشّر بمولده ملاك من لدن الله. يا صوتًا صارخًا في البرية، ونبيًّا علم يسرّ سيده وهو في الحشا. يا عهدًا توسط العهدين، فختم عهد الناموس وبدأ البشارة الجديدة".

(صلاة الغفران من قدَّاس أحد مولد يوحنّا).

 

"نسجد لك، يا ابن الآب وابن البتول، يا من بولادتك في الجسد أظهرت الله للعيان، فقربت إلينا الساكن في الأعالي، وأزحت البرقع عن المحجوب، وأنرت معرفتنا بالذي لا تدركه المدارك".

(من قدَّاس عيد الميلاد المجيد)ٍ.

 

بدنحك تفرح الأرض، يا ابن الله، يا من قدَّس طبعنا بعماده في مياه الأرد. النهر رآك فأمسك أمواجه وحنى رأسه ساجداً لك، لأنه عرفك الله، عرفك الإله الآتي تخلّص البرايا. هوذا الدنح أشرق لنا وعلينا من حضن الآب المحتجب... هوذا حمل الخلاص رمز إليه موسى في أرض مصر، وسماه خروف الفصح، ونضح بدمه الأبواب. هوذا ضياء إرميا، هوذا دنح زكريا أشرق اليوم على النهر وقدَّس المعمودية".

 (صلاة الغفران قدَّاس عيد الدنح).

 

هذه الصلوت وما شابهها من صلوات مأخوذة من القدّاس أو من الفرض الإلهيّ، موجهّة كلَّها إلى سرّ الابن المتجسّد. تكاد لا تخلو واحدة منها من ذكر العهد القديم وربطه بالجديد الذي يُكملَّه: "ما جئت لأحلّ بل لأكمل. هكذا يبدو لنا السّيد المسيح الغاية الأخيرة لكلّ الوعود والعهود. إنّه منتظر الشعوب ورجاء إسرائيل. والعهد القديم يبقى غامضًّا، ضائعًّا إلى أن يتحقّق في المسيح كلُّ ما تنبَّأ به الأنبياء وما انتظره الشّعب الإسرائيلي طوال ألفيّ سنة. ما كان صورًاورموزًا ورجاءًّ تحقّق اليوم، في المولود من العذراء الذي قبِل العمادَّ من يوحنَّا وهو ربّ يوحنّا وسيّده.

 

 

هذه هي الليتورجيَّا الحَّية:

 فيها يعيش المسيحيّ علاقته بالله عن طريق ابنه المتجسّد، فيها ترتبط الخليقة جمعاء بخالقها الذي أصبح فاديها ومخلّصها. هنا يتعلّم المسيحيّ أسرار دينه، منذ نعومة أظفاره، عندما يأتي به والداه إلى الكنيسة ويُشركانه بالشعائر الطقسيَّة فيعيش إيمانه ممارسةً وسلوكًا مثاليًّا.

 

صوم الميلاد  

يصوم المؤمنون، استعدادًا للميلاد، على مدى اثنيّ عشر يومًا، ابتداءً من الثالث عشر من شهر كانون الأوّل. استعدادٌ داخليّ يقوم على التقشف والامتناع عن بعض المأكل، علامة توبة صادقة تؤهَّلهم للتقدُّم من المناولة في هذا العيد العظيم.

 

تساعية الميلاد

على مدى تسعة أيَّام، يجتمع المؤمنون لإقامة صلاة خاصَّة بالميلاد تنتهي مساء الثالث والعشرين من شهر كانون الأول. وفي ليلة العيد يكتفون بصلاة الفرض وطلبة الميلاد.

يقال إنّ واضع هذه التساعية هو البطريرك يوسف اسطفان في القرن الثامن عشر.

تتألف هذه التساعية من ترنيمة بالسريانيَّة أو العربية- تسع طلبات إكرامًّا للأشهر التسعة التي عاشها السيّد المسيح في أحشاء أمّه العذراء- صلاة ختام- ترنيمة "أرسل الله" زيَّاح القربان المعروف- ترنيمة الختام.

 

مقتطفات من التساعية مع تعليق

- الترنيمة الأولى: "المجد للكلمة" كلمة العليَّ المتأنس. سمعته الآذان، رأته الأعين، لمسته الأيديّ، تناوله الفمّ... إنَّه الكتاب المقدّس مرنّمًا: "في البدء كان الكلمة...

والكلمة صار جسدًا، الذي رأيناه، الذي سمعناه، الذي لمسته أيدينا من كلمة الحياة" هكذا كان الأقدمون، وهم اُّمّيون، يتعلّمون اللاهوت وهم يرنّمون.

 

- الطلبة الأولى:

 "يا بهيًا في الحسن أفضل من بني البشر، يا من ارتضيتَ، من قبل محبّتك لنا الغير الموصوفة، أن تصير إنسانًا لتظهر لنا جمال لاهوتك الخفيّ بحسن الهيئة الظاهرة في الجسد الذي أخذته من مريم البتول".

جمال الألوهة يشعّ على وجه يسوع الإنسان: "مَن رآني فقد رأى الآب"، "هذا هو ابني الحبيب"، "هو صورة الآب وشعاع أزليَّته"...

 

الطلبة الثانية:

 "يا رجاء الآباء وانتظار الشّعوب، الذي بميلادك منحت الرّجاء لبني البشر، وجمعت الرّعاة والمجوس وكلَّ المؤمنين بلذة رجائك"...

لا يتوقَّف عمل يسوع على الشعب المختار، بل يتعدَّاه إلى البشر أجمعين الذين ينتظرون الخلاص، الكبار والصغار، الفقراء والأغنياء. الكون كلَّه توق لهذا اليوم، الخليقة كلَّها تئنُّ بانتظار فداء الإنسان وفدائها.

 

- الطلبة الثالثة:

 "يا قائدًا عجيبًا قد اقتاد الشعوب إلى طاعته، لا بصرامة الحكم بل بعذوبة محبَّته وتردُّده اللذيذ".

المسيح القائد، رأس البشريَّة يقودها إلى الآب، يعود بها إلى الوطن الحقيقيَّ، الفردوس المفقود. ولكنّه لا يقودها بالسّلام كملوك هذا العالم بل بالمحبَّة واللُّطف والوداعة.

 

- الطلبة الرابعة:

 "يا خمرَّ العذارى وسوسنَّ النقاوة، الذي من لمس جسمك فقط تطهر الأجساد وتتعفَّف النفوس، الذي يحلو لك في مستودع والدتك، جعلتها أطهر الطاهرين وأفخر البتولات والبتولين".

العذارى يسكرن من خمرة دمّ المسيح، يتَّحدن به اتّحادًا حميمًا، يرتفعن إلى أعلى درجات القداسة. كما أنّ العذراء مريم باتّحادها بابنها مكثت بتولاً قبل الميلاد وفيه وبعده. إنَّه ذروة التصوّف المسيحيّ والاتِّحاد بالله.

 

- الطلبة الخامسة:

"أيُّها الرّفيع المتسامي طبعًا، الذي تركت عزَّة لاهوتك وأحببت حقارة طبعنا البشريِّ لتصير لنا نموذجًا بالتواضع والاحتقار".

لقد أخلى ذاته آخذًا صورة عبدٍ ليخلّصنا من عبوديّة الخطيئة. تواضع حتّى الإمحاء، فعلَّمنا التواضع الذي هو الطريق الملوكيّ إلى الله، إذ "من اتَّضع ارتفع"، "تعلَّموا منِّي أني وديعٌ  ومتواضع القلب فتجدوا راحةً لنفوسكم".

 

  - الطلبة السادسة:

 يا كلمة الله الخارجة من فمِّ الله لتكون حياةً لكلِّ إنسان...

امنحنا جوعًا شديدًا إلى خبز جسدك ودمك".

الكلمة صار جسدًا بعد أن خرج من فمِّ الله. "أنا الطريق والحقّ والحياة"، "خذوا كلوا هذا جسدي". وُلد في قرية الخبز ليشبع جوعنا. سَّر التجسَّد يصبح سرَّ القربان، حضور دائم مأكلاً ومشربًا لكنيسته.

 

 - الطلبة السابعة:

"يا وحيد الأقنوم وذا الطبعين الذي أخبرتنا بما سمعت من الآب".

إنّه لاهوت مجمع خلقيدونيّة الذي لم تتنكَّر له يومان الكنيسة المارونية أُقنوم واحد في طبيعتين. يخبرنا بما سمعه لدى الآب لأنّه لا أحد يعرف من هو الآب إلّا الابن ومن أراد الإبن أن يبِّين له.

 

- الطلبة الثامنة:

 "ناسبتَ بين عزَّة لاهوتك وفطنة السلوك البشريَّ حين هربت من وجه هيرودس".

ألم يقل لنا يومًا: "كونوا حكماء كالحيَّات وودعاء كالحمام؟" نعم، إنّه إنسانٌ حقّ  وإلهٌ حقّ. لديه عظمة الإله وقوَّته، كما لديه الحكمة البشريَّة التي هي أيضًا عطيّة من الله. فهو ذاته "حكمة الله".

 

- الطلبة التاسعة:

 "مع كونك سليلَّ الملوك ووريثَّ داود الجليل، اكتفيتَّ من ثروته الملوكيَّة بمغارةٍ ومزود حقير".

هو حقًّا سليل الملوك. إنّه المسيح الملك المنتظر: "وإنَّ مملكتي ليست من هذا العالم؛ اكتفى بمغارة. تزواج فقرنا وضعفنا فجعل فضيلة الفقر محَبَّبة إلينا.

 

 

 

الختام

 نسجد ونعبد ونقدٍّم البخور والخضوع استعدادًا لميلاد الربّ لكي نصبح أهلاً  لتناول هذا الجسد المقدّس الذي مكث تسعة أشهر في حشا العذراء مريم.

يلي هذه الطلبات العميقة المعنى اللّطيفة المبنى، ترنيمة طويلة تبدأ بكلمات: "أرسل الله ابنه الوحيد نورًا للأمم".

 

 إنَّه نشيد رائع لا يقلُّ عمقًا لاهوتيًّا ولا نَفَسًا شعريًّا عن الطلبات. وهو من الوحي ذاته. إنّه الصَّلاة شِعرًا ونغمة. المسيح هو الابن الوحيد، نور الأمم الذي أنار طريق المجوس إليه كما اجتذب الرّعيان الفقراء بتواضعه ومحبّته. هو الذي يحقِّق نبوءات أشعيا: "يحمل على منكبيه سلطانه العام- يظهر كرعد صوتٍ كشبل أسد. وقد صار حملاً وديعًا، هو حمل الله حامل خطايا العالم. ومريم، التي حملتْه تسعة أشهر مكثت بتولاً قبل الميلاد وفيه وبعده...".

بعد هذا النشيد يزيِّح الكاهن القربان بحسب طقس معروف وينتهي الزيَّاح بنشيد جميل من وحي السّاعة.

 

 

السجدة ليلة عيد الميلاد

عند نهاية صلاة منتصف الليل، يقف المصلُّون جوقتين من هنا وهناك، ويبدأون بالسّجدة وهي كناية عن ترنيم مقاطع من المزامير ينتهي كلُّ مقطع بعبارة: "ولك المجد يا الله". ومع هذه العبارة يسجدون انبطاحًا. هذا الانبطاح يدوّنه "مطانيَّة" وهي كلمة يونانيَّة "Métanoia" أي التوبة.

هذه الرّتبة هي، إذن، رتبةُ توبةٍ لا يزال الرّهبان يقومون بها في أديرتهم كما في بعض الرعايا القليلة.

الأناشيد مأخوذة من سفر المزامير مع بعض تعديلات أو إعادة اللازمة. هكذا يبدأون: "لكَ يسبِّح الملائكة ولكَ المجد يا الله". وهذه البداية تستعمل كلازمة بعد كلِّ آية.

إنّها دعوة لكلِّ موجود لكي يسبِّح الربَّ في هذا اللّيل الذي ولِد فيه للناس مخلّص:

"سبِّحوا الربَّ من السماوات سبِّحوه في الأعالي، سبِّحوه يا جميع ملائكته، سبِّحيه يا جميع قوَّاته. سبِّحيه أيَّتها الشمس والقمر والكواكب...".

فالمخلوقات والأكوان العاقلة والحيوانيّة والجامدة، كبيرها وصغيرها، مدعوّة لأداء هذه التسبيحة.

السماوات والمياه التي فوقها، لأنَّ الله خلقها ووضع لها ناموسًا.

الزحافات والطيور والأسماك والبهائم.

الجبال والأمطار والثلوج والبحار والأشجار وثمارها.

ملوك الأرض وعظماؤها وقضاتها.

البتولات والأطفال والشيوخ...

لأنَّ اسم الله عظيم وقد ظهرت عظمته في تجسَّده، علامة حبّه العجيب الظاهر على وجه طفل المغارة.

 

 

مباركة الماء يوم الدنح

بعد صلاة منتصف الليل يضع القندلفت شمعدانين بشمعتين فوق القرَّاية ووعاءً مملوءًا ماءً ومرشَّة وملقاطًا صغيرًا لأجل رمي الجمر من المبخرة في الماء المبارك.

تصير هذه الرتبة قبل القدّاس. في بعض الرعايا يأتي المؤمنون بقناني مملوءة ماء ويضعونها على القرَّاية ليأخذوها وقد تباركت إلى بيوتهم. في رعايا أخرى لا يأتون بالماء إلى الكنيسة، لكنَّ الكاهن يزورهم في بيوتهم يوم العيد ويرش الماء المبارك فيها.

 

من صلوات هذه الرتبة

"لقد فاضت هباتك الإلهيَّة وغنى عطاياك، يا ربّ، على أمواه نهر الأردن لكي تتبارك بها المياه في كلِّ موضع" (صلاة البدء).

"لنرفعنّ المجد إلى الله الآب الواحد المحجوب الذي أبدى صوته من السماوات معلنًا حبيبه، والتسبيح إلى الابن الوحيد المسجود له الذي ظهر على نهر الأردن معتدًا من عبده، والإكرام إلى الرّوح القدس الذي اعتلن في العلى مُخبِّرًا على الأرض بحلوله؛ فالآب العظيم خاطب الخلائق بواسطة ابنه الحبيب وكشف لهم عن صدق حقيقته، والابن الخالق اعتمد في نهر الأردن وأعلمنا حقيقة مجده، والرّوح القدس المكمل كلّ شيء قد حلَّ بشبه حمامة على رأسه   وحقّق لنا معرفته" (من صلاة الاستغفار).

 

"في هذا الليل هبط الرّوح على رأس الابن وأجواق السماويِّين جميعًا أخذها العجب العظيم. رأته الجبالُ فارتعدت، والآكام هربت من أمامه، ونهر الأردنّ رجع إلى الوراء لمَّا رأى سيِّده آتيًا يعتمد. المجدُ لظهورك، يا شعاع الآب، ومباركٌ عمادك من يوحنَّا، لأنَّ البريَّة كلّها استنارت به وانهزم منها ظلام الضلال" (مزمور التسابيح).

 

 "أصغِ بحلمكَ إلى طلباتنا ولتحِلَّ قوَّة بركتك في هذا العنصر المتنوِّعة كثرة طهارته، لكي تخدم خليقتك أسرارك وتنال قوَّة النعمة الإلهيَّة على طرد الشياطين والأوجاع. وكلّ شيء في بيوت المؤمنين وأماكنهم يُرشّ عليه من هذا الماء ينجو من الدنس ويخلص من المضرَّات ولا يصير هنالك مسكنٌ للأرواح المضادة..." (من صلاة على الماء).

 

يأخذ المحتفل بالملقاط، ثلاث مرَّات، جمرة نار من المبخرة ويرميها في الماء قائلاً: باسم الآب يتطهَّر، باسم الابن يتنقَّى، باسم الرّوح القدس يتبارك". ويرشّ ماء على الجماعة المصليَّة ثمّ يصعد إلى المذبح لإقامة الذبيحة الإلهيَّة.

 

 

مباركة الشمع يوم دخول المسيح إلى الهيكل

يضع القندلفت أمام المذبح قرَّاية عليها طبق عليه منديل أبيض، ويضع الشمع عليه ويُعِدّ المبخرة والماء المبارك. بعد صمدة الأسرار يبدأ المحتفل بالرتبة.

بعد الرتبة يوزِّع الكاهن الشمع على المؤمنين. يعرف المؤمنون أنّ حسنات هذه الشموع كثيرة: إنّها بركةٌ للبيوت، تنجِّي من الشرور الروحيَّة والزمنيَّة. تطرد الشياطين، تشفي الأمراض، تخفِّف من ثورة العناصر؛ وعند الموت تضاء شمعة المنازع لتطرد الأرواح الخبيثة.

 

مقتطفات من هذه الرتبة

أيُّها الإله السرمديُّ الضابط الكلّ الذي أمرت موسى عبدك أن يهيِّئ دائمًا الزيت النقيّ ليضيء المصابيح أمام وجهك، اسكب برأفتك نعمة بركتك على الشموع. وكما أنّها تعطي النور ظاهرًا، هكذا فليكن نور روحك مضيئًا في ضمائرنا بواسطة عطيَّتك..." (صلاة ثانية).

 

"أيُّها الربّ يسوع المسيح، النور الحقيقيُّ الذي ينير كلّ إنسان آتٍ إلى العالم، اسكب بركتك على هذا الشمع وقدّسه بنور نعمتك. وكما أنَّ أنوار هذه المصابيح المستنيرة الملحوظة تطرد الظلمة الليلية، كذلك أنر برأفتك قلوبنا بالنار التي لا ترى، أي بشعاع الرّوح القدس، لتضمحلَّ عنها ظلمة الرذائل بأسرها، حتى إذا تطهَّرت أعين ضمائرنا، نستطيع أن نفعل ما يرضيك ويعود لخلاصنا، لنستحقّ أن نبلغ إلى ذلك النّور الذي لا يزول بعد حرب هذا العالم" (الاستغفار).

 

 

خاتمة

طوال مسيرتنا مع زمن الميلاد وزمن الدنح، رأينا ما تعيش كنيستنا كلَّ سنة من عمقِ روحي وعبادة صادقة تتبلور في ليتورجيّا حيَّة تنضح صلواتها بالانتظار الفرِح والرَّجاء المتين.

 

وما إن يأتي الميلاد ثمَّ الظهور، حتّى يتحوّل هذا الانتظار وهذا الرَّجاء إلى محبَّة وشغف بهذا الإله الذي ولد طفلاً مثلنا واعتمد من يوحنَّا ليعلِّمنا الطاعة والاستسلام لمخطّط الله في الكون.

 

هنا نرى ترتيب السنة الطقسيّة ونظامها الذي يجعلنا نعيش برفقة عمّانوئيل، إلهنا معنا.

 

نجتمع كنيسة مصلَّية تستوحي صلواتها من أحداث تاريخيّة غيّرت وجه التاريخ البشريّ، جاعلة منه تاريخ الله مع البشر. صلوات مليئة بالفكر اللاهوتيّ المرتكز على معطيات الوحي في التقليد الحيّ في الكنيسة.

 

صلوات كثيرًا ما تصبح ترانيم ليسهل حفظها على المؤمن، صغيرًا كان أم كبيرًا، مثقَّففًا أم أميًّا، فيحبّ أن يشترك فيها مع إخوانه المؤمنين في كنيسة أصبحَتْ بيت الرعيِّة، قلب الجماعة النابض، كنيسة يشيدونها، أينما حلّوا قبل أن يبنوا بيوتًا لسكناهم.

 

 فكأنّي بهم يردِّدون مع صاحب المزامير: "قد أحببتُ، يا ربّ، خدمةَ بيتك".  (مز 26/ 8).

 

 

المطران يوسف ضرغام

           

 

 

 

  

 

                                                            

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية