برنامج الرسول

 

 

 

 

برنامج الرّسول

 

إنجيل هذا الأحد هو إعلانٌ مُسبق لبرنامج يسوع المسيح الرَّسوليِّ الذي يبدأ في الجليل، ويُتابع في مسيرته الصّاعدة نحو أورشليم نفسها من خلال حدث الصَّلب والموت ومن ثمَّ القيامة المجيدة. هذا البرنامج الرّسوليِّ والتّبشيريِّ المتكامل يطال الجميع من الشّعوب اليهوديَّة والوثنيَّة. ولا عجب أنَّه يبدأ من الجليل بالتّحديد حيث هناك أكثريَّة غير يهوديَّة ستُعجب هي أيضًا بتعاليمه، وتتأمَّل بها، وتبني عليها، ولن تلبث أن تقبل فكرة الإيمان بيسوع المسيح المنتصر على الموت، على يد رسُله القدّيسين بعد حدث العنصرة. هذا ما يعود ويؤكِّده القدّيس بولس في رسالته حيث يُؤكِّد لنا أنَّ يسوع المسيح جاءَ ليدعو الأقربين والأبعدين على حدٍّ سواء ليكونوا أبناء الله الواحد في الرّوح القدس الذي حلَّ على الرّسل الأطهار في العليَّة. نتوقَّف معًا على معاني هذا النصّ وما يمكن أن يُعاش منه في حياتنا اليوميَّة. الإنجيليُّ لوقا يركِّز على قوَّة الرّوح وعمله ودوره في حياة يسوع العلنيَّة، وأيضًا على دور يسوع المسيحانيِّ، أي على رسالته الخلاصيَّة التي تتلخَّص بما ورد على لسان النبيِّ أشعيا.

 

 فبعد عماد يسوع على يد يوحنَّا المعمدان في الأردنِّ واعتلانه مسيحًا باعتراف الآب به ابنًا حبيبًا، وبعد نزول الرّوح القدس عليه بشبه حمامة، يعود يسوع المسيح إلى الجليل بقوَّة الرّوح القدس. ولا شكَّ بأنَّ الرّوح نفسُه له الدّور الأوَّلُ والأساسيُّ في حياة يسوع الأرضيَّة: فهو الذي حلَّ على مريم العذراء في حبلها بيسوع، وهو الذي حلَّ على يوحنَّا المعمدان فتعرَّف إلى يسوع وارتكضَ من الفرح وهو جنينٌ في بطن إليصابات، وهو الذي قاد يسوع إلى الصّحراء وقت التّجربة، وهو الذي رافق يسوع أيضًا إبَّان رسالته في الجليل ونحو أورشليم.

 

ولأنَّ الرّوح مع يسوع فإنَّ أخباره كانت تنتشر في كلِّ مكانٍ، حيثما ذهب وبشَّر وعلَّم، كانوا يندهشون من قوَّة تعاليمه ويمجِّدون الله لأجل هذا النبيِّ الذي أقامه الله بينهم. في مدينة النّاصرة أيضًا يدخل يسوع إلى المجمع كعادته حيث كان يذهب للصّلاة. لكنَّ هذه المرَّة سنرى فارقًا عن كلِّ المرَّات السّابقة. سيعتلن يسوع مسيحًا بقوَّة كلمة الله التي قالها على لسان النبيِّ أشعيا.

 

"روح الربِّ عليَّ لأنَّه مسحني": تمامًا مثل كلِّ الأنبياء العظماء الذين تكلَّموا وعملوا بروح الربِّ. ولكن أكثر من الأنبياء، لأنَّه هو المسيح المنتظر والمُرسل لتحقيق الخلاص لإسرائيل الخاضع للإحتلال الرّومانيِّ والمنتظر قائدًا وملكًا يحرِّره من وطأة الإحتلال؟ بالطّبع لا... بل لبشارة الفقراء وإعلان الرِّضى للربِّ... الفقراء ليسوا أولئك النّاس الذين يجاهدون للحصول على لقمة العيش، بل هم أولئك الذين اعتادَ العهد القديم أن يسمِّيهم "فقراء الربّ"، أولئك الذين كانوا ينتظرون بالصّلاة والتّقوى خلاص الربِّ. ولذلك فالمسيح لا يأتي ليصنع مع هؤلاء صدقةً ماديّة، بل ليعلن لهم أنَّ ساعة الخلاص حانت وأنَّ الربَّ حقًّا جاءَ ليتفقَّدَ شعبه.

 

إذًا نحن أمام برنامج المسيح المبنيِّ على تخلية المأسورين بخطاياهم، إعادة البصيرة إلى الذين أعماهم الجهل وعدم الإيمان، والإفراج عن المظلومين بسبب سيطرة سلطان هذا العالم عليهم. إنَّه عهد جديدٌ تُعلَنُ فيه المغفرة المجّانيَّة للخطايا والعفو العامّ عن كلِّ المجرمين والزّناة والعشّارين التّائبين وتُعطى الحياة الجديدة بقوَّة الرّوح القدس وبقوَّة كلمة الله المتجسِّدة في يسوع المسيح. إنَّه زمن السَّلام يحقِّقه المسيح للجميع ليقودهم إلى الآب بقوَّة الرّوح القدس ليجعل منهم كنيسة مقدَّسة، هيكل الرّوح القدس المبنيِّ على أساس الرّسل والأنبياء وعلى حجر زاويةٍ لا يتزعزع هو يسوع المسيح القائم من الموت.  

 

الأب إيلي كعوي

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية