تجديد البيعة

 

 

 

 

تجديد البيعة

 

تجديد البيعة عندنا يستوحي معناه من عيد تجديد الهيكل عند اليهود. فالهيكل، الذي كان نجَّسه "أنطيوخس إبّيفانوس"، وحوّله من عبادة الله إلى العبادة الوثنيّة، كما يروي سفر المكابيّين الأوّل (4/ 36-59)، قام "يهوذا المكابيّ" سنة 165 ق.م. بتطهيره ونزع رجاسة الوثن منه.

 

 فصار تذكاره السنويّ، منذ تلك السنة، عيدًا كبيرًا يرمز إلى حريّة العبادة، كما إلى الحريّة السياسيّة. الكنيسة أعطت لهذا العيد بُعدًا مسيحانيًّا ولاهوتيًّا وليتورجيًّا جديدًا.

 

 

هذا البعد يرتكز على الاعتراف بالمسيح هيكل الله الوحيد على الأرض، وفيه وبواسطته تتمُّ العبادة الحقيقيّة لله. فأتى هكذا عيد تجديد البيعة ليحلّ محلّ تجديد الهيكل، ويُعطي للهيكل وللعبادة معناهما الكامل.

 

 القراءة الأولى لاحتفالنا تقدِّم لنا المسيح "كعظيم أحبار الخيرات العتيدة"، الذي اجتاز إلى السماء، ليُقدِّم دمه عنّا، محقّقًا لنا فداءً أبديًّا، ويُدخلنا في عهد جديد مع الله، لنصبح ورثة ملكوته.

 

 أمّا القراءة الثانية فتُركّز على مسيحانيّة يسوع وعلاقته البنويّة بالله أبيه. هذا ما يرفضه اليهود، ويحاولون رجمَه لأنّهم ليسوا من خرافه، تركوا الراعي الأصيل واتّخذوا لهم رعاة يستغلّونهم ويُبعدونهم عن الله. سنُحاول إذا أن نركّز على بعض المفاهيم التي نستوحيها من معنى العيد ومن هاتين القراءتين.

 

 

1- مفهوم التجديد

التجديد ضرورة طبيعيّة. فكلّ كائن حيّ تتجدّد خلاياه لكي يستمرّ في الحياة. وكلُّ مجتمع بشريّ إذا لم يتجدّد، في أساليب عيشه وعاداته، يهرم ويتحجّر ويموت، كذلك الكنيسة أيضًا عليها أن تتجدّد، لكي يبقى إيمانها بابن الله إيمانًا حيًّا، يتمَوضع مع تطوّر المجتمع، من دون أن يشوبه تغيير أو نقصان.

 

عندما نعيّد تجديد البيعة لا نعود إلى أصل هذا التجديد تاريخيًّا وحسب، بل نحتفل بالكنيسة، التي ما زالت منذ ألفيّ سنة تقريبًا، تُعايش الأجيال البشريّة جيلاً بعد جيل، متطوّرة بأساليب عيشها والتعبير عن إيمانها، ومحافظةً بالوقت ذاته على ثوابت هذا الإيمان.

 

 فالمسيح رأسها، هو أمس، واليوم، وإلى الأبد. أمّا أبناؤها المؤمنون فيتناقلون الإيمان جيلاً عن جيل، ومعهم يتجدّد هيكل الكنيسة البشريّ المبنيّ على المسيح، ويتطوّر بحسب معطيات الزمان والمكان.

 

 

 2- الإصغاء إلى صوت الراعي

المسيح هو راعينا الصالح، أعلن بأقواله وأعماله أنّه ابن الله ومعطي الحياة. الإصغاء إلى صوته يثبّتنا في إيماننا، ويمنحنا الثقة والرجاء. اليهود حاولوا أن يرجموه ومن ثمّ صلبوه، رفضوه مسيحًا أتى ليُخلّصهم من عبادة شكليّة لله، ومن معتقدات متحجّرة ومنحرفة، أبعدتهم عن بقيّة الشعوب. أمّا نحن الذين آمنّا بالمسيح وصرنا أبناء رعيّته ومفتدَين بدمه، فكم ينبغي علينا أن نبقى دائمًا في حالة إصغاء له.

 

فهو اليوم يكلّمنا، كما كلّم الرسل والتلاميذ الأوَّلين، فهل نُصغي إلى صوته في الإنجيل المقدّس، كما في تعليم الكنيسة والآباء القدّيسين والشهداء؟

 

 

3- تطهير  الضمير

دم المسيح، كما تقول الرسالة إلى العبرانيِّين، "يطهِّر ضميرنا من الأعمال الميتة لنعبد الله الحيّ". الاحتفال بتجديد البيعة يقوم أساسًا على تجديد العبادة، التي تحوّلت مع المسيح، من الذبائح البدليّة، أي ذبائح الحيوانات وسكب دمها عوضًا عن دمّ البشر، إلى عبادة العهد الجديد، المبنيّة على ذبيحة المسيح وتقدمة ذاته ضحيَّة فداء عن البشريّة كلّها.

 

احتفالنا كلّ أحد بالقدّاس الإلهيّ، هو تعبير عن إيماننا بأنّ يسوع قدّمنا معه إلى الآب ذبائح روحيّة.

فهل نتحضَّر كما ينبغي للإحتفال بذبيحته؟

 

الأباتي بولس تنّوري

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية