جسد الربّ هو لمغفرة الخطايا

 

 

 

 

 جسد الربّ هو لمغفرة الخطايا

 

لا ريب في أنّ جسد الرَّبِّ ودمه الكريمَين هما لمغفرة الخطايا كما يتبيّن من كلام متّى الرَّسول الذي يشهد أنّه لمّا قدّس الرَّبّ الكأس قال "هذا هو دمي العهد الجديد الذي يهرق عن كثيرين لمغفرة الخطايا". (متى 26/ 28)  وكذلك يقول جميع الآباء في نوافيرهم ويوليوس بابا رومية يثبت أنّ كلّ غشم وكلّ خطيئة يُغفر بالقرابين التي تُقدّم لله.

 

أعني أنّ الربّ لمّا شاءَ تقديس دمه باركه وقدّسه ثمّ أمر تلاميذه أن يشتركوا فيه كلّهم وأعلن لهم أنّه يهب الخلاص للذين يشربون منه إذا تصرّفوا فيه بنيّة صالحة لمغفرة الذنوب وترك الخطايا. يريد بذلك أنّ جسد الربّ من ذاته يحوي كنز الحياة ويمنح المغفرة والقداسة لكلّ من يطلب شركة بنيّةٍ صالحة. وأمّا الذي يتناوله بغير إستحقاق فقد شهد الرّسول أنّه يظلمه ويأخذ لنفسه حكمًا ودينونة.

 

أمّا الخطايا فبعضها عرضي والبعض الآخر مميت فالعرضي لا يمنع نعمة الله ولا محبّته بل يبرّد الحرارة ويُلقي الإنسان في التهامل والتواني كما يفعل في البدن الترهُّل والجراحات البرانيّة والضربات التي لا تُميت وكما أنّ هذه الأشياء بعضها بالمرهم تشفى وتبرأ هكذا الربّ أعطانا جسده ودمه بشبه الخبز والخمر لكي يغذّيا الرّوح ويغسلا العفونة الرَّديئة ويضمّدا الجراحات.

 

وقال يوحنّا عن الشَّجرة التي رآها أنّ ثمرها للحياة وورقها للشِّفاء أعني أنّ جسد الرَّبّ يغفر الخطايا بما هو سرّ وبما هو ذبيحة. فبما هو سرّ يُحيي الذي يتناوله وبشبه القوت يستوفي من داخل ما قد هلك من حرارة التجربة وبما هو ذبيحة يغفر خطايا الذين يتقدّم لأجلهم وبشبه المرهم يمنحهم الشِّفاء من خارج.

 

وهذا الغفران من العرضيّات قد رسمه لنا الرَّبّ بالماء الذي غسل به أقدام تلاميذه قائلاً "إنّ الذي تطهَّر ليس يحتاج إلاّ إلى غسل قدميه لأنّه كلّه نقيّ". والملاك مثله لأشعيا النبي بجمرة النّار التي أخذها من المذبح وطهّر بها لسانه.

 

وأمّا الخطايا المميتة فلا يمكن أن تُغفر بأخذ جسد الربّ لأنّها تُميت النّفس وتُبعدها عن محبّة الله ما خلا إذا فعل ذلك الإنسان بنيّة صافية أعني إذا اعترف أوّلاً لمعلّم الإعتراف ثمّ تقدّم إلى تناول عنصر الحياة فيحظى حينئذٍ بموهبة جسد الربّ ومغفرة الخطايا.

 

ثانيًا ينال الغفران إن كان ناسيًا خطيئته وغير متذكّر لها. وثالثًا إذا كان متذكّرًا لها لكن لم يتسهَّل له الإعتراف فحينئذٍ إذا دعت الضَّرورة يستطيع أن يتقدّم حالاً إلى شركة جسد الربّ بعد أن يتأسّف أوّلاً بكلّ قلبه على ما سلف منه ثمّ ينوي الإعتراف متى تسهَّل له ذلك فإنّ جسد الرَّبِّ من ذاته يهب الحياة والغفران لكلِّ من يتناوله بنيّةٍ صافية كما أنّ الشَّمس تضيء وتطرد الظلام عن الموضِع الذي تحلّ فيه. وأمّا الذي يكون ضريرًا في بصره أو يسدّ النافذة دونها فلا يزال مستقرًّا في الظلام من عدم استعداده لقبول النُّور.

 

 

منارة الأقداس

مار اسطفان الدويهي

بطريرك انطاكية وسائر المشرق

                                                                      

                                           

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية