جسد الربّ يُنمي الإنسان

 

 

 

 

جسد الربّ يُنمي الإنسان

 

إنّ الخبز الطبيعيّ حين يغتذي به الإنسان وتمتدّ حياته إلى سنيّ البلوغ يُنير عقله ويفتح بصيرته حتى لا يملك فقط حكمة الأمور الطبيعيّة ومنها يهتدي إلى معرفة الإلهيّات بل يُعطى علمًا وفراسةً ليدبّر أموره وقومه بنشاط وسهولة كما تنبتنا الكتب عن كثيرين من الفلاسفة الذين سلفوا.

 

ويخبرنا سفر صموئيل "أنّه لمّا كان شاول في مكماش والعسكر معه قاصدين مقاتلة الفلسطينيِّين قال لهم شاول الملك ملعون من يأكل خبزًا ويذوق طعامًا إلى المساء حتى ننتقم من أعدائنا فجاع الشعب وتعبوا وضعفوا جدًّا وأمّا يوناتان فلأنّه ما سمع اليمين التي حلّفها أبوه للشعب مدَّ العصا إلى شهد العسل وأكل منه فضرب شعب الفلسطينيِّين وشهد الكتاب المقدّس أنّ الجوع كان قد أظلم بصره فلمّا ذاق العسل انجلت عيناه".

 

 ولكن خبز الربّ أشدّ من ذلك نورًا وحكمةً حتى أنّ الذي يتناوله كما يجب يُنير بصره ليفهم الأمور ليس فقط الطبيعيّة بل الأسرار المحتجبة التي تفوق معرفتها الطبيعة كما يخبر لوقا عن التلميذين اللذين في أحد القيامة سارا إلى قرية عمّاوس وهما حزينان مكتئبان بسبب الأمور التي جرت لمعلّمهما فحضر إليهما بنفسه وسار معهما في الطريق وكان يكلّمهما عن آلامه ويفسّر لهما ما نطق به الأنبياء منذ الزمان القديم وكانا يبصرانه ويسمعانه ويخاطبانه وقلوبهما محترقة فيهما فلم يفهما ولم يعرفا أنّه هو حتى مال النهار وغابت الشمس واستولى الظلام على وجه الأرض واستترا في البيت. حينئذٍ عندما أخذ الخبز وكسره يشهد البشير أنّهما عرفاه بكسر الخبز.

ويثبّت يوحنّا فم الذهب ومار أغوسطين وغيرهما من علماء البيعة أنّ المخلّص بمسكه الخبز قدّسه وجعله جسده وأنّهما في كسره عرفاه لأنّ هذا الخبز هو سرّ الإيمان فيفتح الفهم ويُنير البصيرة ويقوّي النّفس لتؤمن وتتمسّك أنّ المحتجب تحت العوارض المحتقرة هو إله الخيرات وينبوع الأسرار ومعدن الحياة وجميع البركات ويثبّت ذلك أنّ الله ما أرسل لنا ابنه وحكمته في ثياب البشريّة إلاّ ليعطينا معرفته وذخيرة البنوّة كما كتب الرسول لأهل كورنتس "صار لنا من الله حكمةً وبرًّا وقداسةً وفداءً".

 

وقليمس الإسكندري يسمّي السيّد المخلّص ثدي الآب لأنّه مثلما الوالدة تعطي الحياة للولد بواسطة اللبن الذي تُرضعه من ثديها كذلك الله الآب بواسطة ابنه المتجسّد أعطانا الحياة الإلهيّة وأمّا البيعة المقدّسة فتثبّت أنّه ما أعطانا بواسطة ابنه الحياة وحدها بل أيضًا أنوار الحكمة إذ ترتّل في باعوت السيّدة الذي يقال في ليل الأحد.

 

 

أعني أنّ السيّدة بلبنها الطاهر ربَّت كالطفل ذلك الذي هو ثدي الآب ومنه يستمدُّ العالمون حياة النعمة ونور الحكمة وذلك الجسد بنفسه أعطانا إيّاه في سرّ القربان كالثدي الإلهيّ نستمدّ منه حياة النعمة التي بها ندعو الآب أبانا وأيضًا نور الحكمة لندخل إلى الفهم الجواني ونقرّ أنّ المستتر في تلك الأشباه هو جسد الربّ كما قال له بطرس "أنت هو المسيح ابن الله" ولأجل اكتساب هذه الأنوار أرسل الربّ روحه على التلاميذ.

 

 

                                                                         

                                                                     مار اسطفان الدويهي

                                                        بطريرك أنطاكية وسائر المشرق

  

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية