رحلة الصوم

 

 

 

رحلة الصوم

 

رحلة الصوم

 

شبّه آباؤنا القدّيسون الصّوم الكبير برحلة بحريّة تقوم بها الكنيسة المرموز إليها بالسّفينة لتصل في نهايتها إلى أسبوع الآلام، ميناءَ الأمان، وإلى الفداء والقيامة على هدي منارة الصّليب.

يبدأ زمن الصّوم بعرس قانا الجليل وينتهي بعرس الصّليب. وهو يتضمَّن: إثنين الرّماد، أحد الأبرص، أحد النّازفة، أحد الإبن الشاطر، أحد المخلَّع، أحد الأعمى.

ننهي زمن الصّوم الكبير فعليًّا في أحد الشعانين مساءً برتبة الوصول إلى الميناء حيث ندخل في أسبوع الآلام. يقول يوحنّا الذهبيّ الفمّ (+ 407): "أسبوع الآلام هو لنا كالميناء لربابنة السّفينة... ونسمّيه أيضًا الأسبوع العظيم... لأنَّ الربَّ صنع فيه العظائم".

في تقليدنا المارونيّ القديم رتبة تدعى "رتبة الوصول إلى الميناء" كان أجدادنا يحتفلون بها نهار الإثنين من أسبوع الآلام، وتعني أنَّ الصّائمين دخلوا أسبوع الآلام ومصابيحهم تتلألأ بزيت القداسة ووصلوا بخير إلى سكون الميناء على أن يطأوا يوم أحد القيامة المجيدة الأرض الصّلبة أي الصّخرة التي يعلو عليها بنيان الكنيسة.

من اللاّفت أن يكون الآلام بمثابة دخول إلى الميناء، منذ أن حمل المسيح صليبه تبدَّل كلُّ شيء وتبدَّلَ معه معنى الألم وتغيَّر وجه الصّليب الذي تحوَّلَ إلى بركة وأصبح طريقنا إلى الله لنشارك السيِّد المسيح مجد القيامة.

 

أسبوع الآلام

طيلة هذا الأسبوع المُبارك تدعو الكنيسة أبناءَها ليغوصوا معها في سرّ المسيح المتألِّم، يشقّ لنا الطريق إلى مجد القيامة، فنتأمَّله ونعيشه في ضوء أهمّ حلقات تاريخ الخلاص.

 

الإثنين: تذكار يوسف الصدّيق إبن يعقوب (تك 37 - 50). لقد كان هذا البارّ العفيف رسمًا للمسيح الذي حسدَه إخوته اليهود وباعه تلميذه ووضع في بئر القبر ثمَّ خرج منه منتصرًا. قصّة يوسف هي قصّة عناية الله التي تعبث بحسابات البشر وتحوّل نيّاتهم الشرّيرة إلى نعمة وخلاص. "نحن نعلم أنَّ جميع الأشياء تعمل لخير الذين يحبّون الله" (روم 8/ 28). كيف نجسِّد هذه القناعات في حياتنا الشخصيّة والوطنيّة ليكون وجودنا المسيحيّ في هذا الوطن وفي هذا المشرق وجود الخميرة في العجين والرّوح في الجسد كما فهمه أجدادنا على مرِّ العصور.

 

الثلاثاء: تذكار نابوت اليزرعيلي (1 مل 21) رمز المسيح الذي أراد الكتبة والفرّيسيّون أن يختلسوا كرمه أي شعبه. ولمّا لم يسمح لهم بذلك أقاموا عليه شهود زور بأنّه مجدّف وأخرجوه خارج المدينة وهناك صلبوه فانتقم الله منهم وجعلهم نهبًا وقتلاً. لا حياة ولا غلبة إلاّ باتّحادنا مع المسيح كرمة الآب المغروسة في قلب عالمنا هذا لإعطائه الخمر التي لا تنفد. ثباتنا بالمسيح هو لأجل مشاركته في رسالته الخلاصيّة التي تهدف إلى إشراك البشر جميعًا في الحياة الأبديّة في المسيح يسوع.

 

الأربعاء: تذكار أيّوب البارّ الذي رفض أن يكفُرَ بالله بالرّغم من كلّ الضّربات التي حلَّت به وظلَّ صامدًا حتّى النهاية. في هذا اليوم يتمّ تبريك العجين والزيت. لا يمكن أن نفهم سرّ الألم إلاّ بدخولنا في سرّ المسيح المتألِّم والمنتصر على الموت. مع المسيح وباتّحادنا به بقوّة روحه القدّوس المُعطى لنا نتعلَّم كيف أنَّ الألم المتضامن حتّى الموت قادر على أن يتحوَّل إلى أروع فعل محبَّة: "ما من حُبّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه في سبيل أحبّائه".

 

الخميس: يدعى خميس الأسرار وذلك لثلاثة أسباب: أوَّلاً لأنَّ المسيح أسَّس فيه أَهمَّ سرّ الذي هو سرّ الأسرار أي سرّ الإفخارستيّا وذلك خلال العشاء السرّي. ثانيًا إلى جانب سرّ الإفخارستيّا هناك أيضًا سرّ الكهنوت وسرّ المعموديّة. ثالثًا في هذا اليوم يبارك البطريرك زيت المعموديّة، الميرون، مسحة المرضى ويتمّ توزيعها على الأبرشيّات ومنها على الرّعايا. يدعى أيضًا خميس الغسل لأنَّ المسيح غسل أرجل التلاميذ. في هذا اليوم يتمّ صمد القربان والسّهر معه حتّى صباح يوم الجمعة حيث يتمّ الإحتفال بـ"القدّاس السّابق تقديسه". كما يزور المؤمنون سبع كنائس دلالة على الأماكن التي علَّم فيها المسيح في أورشليم.

- زيارة سبع كنائس: في مرحلة الإضطهادات بنى المسيحيّون سبع كنائس في الدّهاليز في روما، مع الإمبراطور قسطنطين الكبير الذي أطلق الحريّة الدّينيّة (313) إنتقلت الكنائس السّبع إلى فوق الأرض وجرت العادة على زيارتها.

- رقم سبعة: يرمز إلى الكمال: الأسرار السّبعة، الكنائس السّبع في سفر الرؤيا، ألوان قوس قزح، نوتات الموسيقى السّبعة...

خلال الزيارة نتأمَّل:

1- "يا أبتِ أغفر لهم لأنّهم لا يدرون ما يعملون" (لو 32/ 34).

2- "إيلي إيلي لما شبقتاني" أي "إلهي إلهي لماذا تركتني" (متّى 27/ 46).

3- "الحقّ أقول لكَ: إنّك اليوم تكون معي في الفردوس" (لو 23/ 43).

4- "يا امرأة هوذا ابنك... هذه أُمّك" (يو 19/ 27).

5- "أنا عطشان" (يو 19/ 29).

6- "قد تمّ" (يو 19/ 30).

7- "يا أبت بين يديك أستودع روحي" (لو 23/ 46).

ويمكن أن نصلّي المسبحة الورديّة المقدّسة في طريقنا إلى الكنيسة التالية التي نقصدها.

  • "ما من حبٍّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه" (يو 25/ 13).

 

  • "أخذ عاهاتنا وحمل أوجاعنا وجُرِحَ لأجل معاصينا وسُحق لأجل آثامنا" (أش 51/ 4).

 

  • "وكان كالحمل صامتًا أمام الذين يجزّونه ولم يفتح فاه" (أش 53/ 7).

 

  • بيلاطس أمر بجلد المسيح لعلَّه يخلِّصه من اليهود "فأنا أؤدّبه وأطلقه" (لو 23/ 16).
  •  
  • "تصادق هيرودس وبيلاطس في ذلك اليوم وقد كانا من قبل متعاديين" (لو 23/ 12).

 

 

الجمعة: يدعى الجمعة العظيمة لأنَّ في هذا اليوم حمل المسيح صليبه وسار به إلى الجلجلة حيث صُلب ومات ووُضِع في القبر. في هذا اليوم نحتفل برتبة سجدة الصّليب ونرتِّل طلبة الآلام بعدها. كما يمكن تنظيم مسيرة درب الصّليب قبل الرّتبة حيث نتذكَّر ونعيش مراحل الآلام التي مرَّ بها المسيح.

 

السّبت: يدعى سبت النّور يتمّ الإحتفال برتبة الغفران قبل الظّهر وعند السّاعة الثانية عشرة ظهرًا تعلن القيامة. هو السّبت الوحيد الذي نصوم به.

 

الأحد: يدعى أحد القيامة أو أحد الكبير الذي هو الكبير جميعها تسميات تعبّر عن الحدث الكبير الذي هو قيامة المسيح وافتتاح الملكوت وتحقيق الخلاص وإعطاء الحياة لكلّ مَن يؤمن ويعترف "أنت المسيح إبن الله الحيّ".

 

الإثنين: ثاني يوم العيد.

 

أسبوع الحواريّين: هو الأسبوع الذي يمتدّ من يوم الإثنين وحتّى السّبت بين أحد القيامة والأحد الجديد. كلمة حوار يعني الذي يلبس البيض. قديمًا كان الموعوظون يتعمَّدون يوم سبت النّور حيث يرتَدُون الحلَّة البيضاء ويحتفلون بعيد القيامة ويبقون في لباسهم الأبيض طيلة الأسبوع تعبيرًا عن معموديّتهم حيث ماتوا وقاموا مع المسيح ودلالة على إنضمامهم إلى الكنيسة.

 

يستمرّ زمن القيامة خمسون يومًا حتّى أحد العنصرة (كلمة عنصرة تعني الخمسون) كما نحتفل في هذا الزمن بخميس الصّعود بعد أربعين يومًا على قيامة المسيح. الصّعود هو ظهور المسيح الأخير لتلاميذه.

- القدّاس في نصف اللّيل لأنَّ المسيح حول ليلنا إلى نهار هو النّور الحقيقيّ.

 

الخوري جان الجرماني

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية