شفاء المُخَلَّع

 

 

شفاء المُخَلَّع

 

لإنجيل المُخَلَّع مكانة خاصَّة في ذاكرة الكنيسة الطقسيَّة فهو الأكثر تركيزًا، ضِمنَ سلسلة آحاد الصَّوم، على سرِّ التّوبة. وهل من صَوم من دون توبة وإعتراف؟ وثمرة التّوبة الصّالحة مع الله والإنسان، ومن ثمَّ الغفران وتَركِ الدُّيُون والذُّنُوب. فمَن منَّا لا يَجِد في مُمارَسَة هذا السِّرّ أحاسيس السَّلام والفرح القويِّ والعَميق؟ وكلَّما كنَّا أَقرَب إلى الله أَصبَحْنا أَكثَر إدراكًا لخطيئتنا ولعظمة سرِّ التّوبة. والعكس صحيح. فكلَّما إبتَعَدْنا عن الله كان إدراكنا لخطيئتنا أقلَّ لأنَّ بُعد المسافة بيننا وبين الله يُقلِّل من درجة المُواجهة الضَّروريَّة لنُميِّز ونتحَقَّق من حالتنا الحقيقيَّة. والإعتراف الذي تُقيم لَه الكنيسة الرُّتَب والإحتفالات وتَدعو إليه من أعلى المَنابِر وفي الطرقات، هو دعوة للتحوُّل عمّا يُرى إلى ما لا يُرى. فيا حبَّذا لو تَشْهَد كراسي الإعتراف زَحْمَة الطّرُقات أو المَلاهي، أو أَقَلَّه زحمة بيت كفرناحوم! فهل سارَعنا إليها في هذا الصَّوم؟ فالربُّ يَنتظر. إنَّه في تلك الزاوية... من كنيستنا، بيتنا الحقيقيِّ.

 

1- ذلك البيت في كفرناحوم مشاغلنا: في الفرنسيَّة عبارة تُشير إلى كفرناحوم وتُعبِّر عن مَدى الزَّحمة والإنشغال مع الفوضى والتبَعْثُر، وكأنّي بإنسان اليوم نَزيل كفرناحوم هذه الدّائم. فيا ليتنا نكون نحن في البيت المُزدَحِم الذي هو لبطرس في كفرناحوم الجليل.

 

حاول الربُّ عبثًا، بعد أيّام رسالته الأُولى، أن يَجِد الهدوء. لذلك نراه في الأماكن المُقفرة (مر 1/ 13، 1/ 34، 1/ 45)، كما أنَّه، بعد كلِّ تعليمِ آيةٍ، يَلجأ إلى مَنع الدِّعايات ويَتَهرَّب من كلِّ شُهرة (مر 1/ 25، 1/ 35، 1/ 44)، ولكنَّ تَعَبَه ذَهَبَ سُدًى، فالجماهير تتبعه والحشود تُحيط به وتزحمه. أيّامه تلك كانت مليئة بالأحداث، والمخلِّص الآتي كان حديث النّاس... لكن، كلٌّ يُفتِّش عن مسيحه!

 

كان النّاصريُّ بالنّسبة لكلِّ المُحيطين به نجمًا لامعًا، جذّابًا، مُثيرًا أين منه نجوم اليوم! لكنَّ الربَّ لم يَكُن ليُخدَع بحماس المُتحمِّسين ولا بصَخب الصّارخين. كان يُدرك تمامًا أنَّ إحتياجات الأرض هي التي تُحرِّك الأكثريَّة، لا الحاجة إلى السّماء، فلذلك كان يُفضِّل العُزلة والصَّمت. فأين أنا من كلِّ ذلك؟ وهل يَكفي أن أُرَدِّد: "أنا مسيحيٌّ" كي أكون ذلك فعلاً؟ هل يَكفي أن أركُض أَسرَع من مريم لزيارة إليصابات لأَتبَرَّك من كلِّ المعابد وأُصفِّق لكلِّ ما يُذاع ويُشاع عن الظهورات، كي أكون مُتعبِّدًا حقيقيًّا؟ عن أيِّ مسيح أُفتِّش، وأيِّ إلهٍ أُريد؟ هل تستهويني حقًّا صورة يسوع الهارب من الدِّعاية والجموع؟ وهل خطر ببالي أن أتبعه في عزلته في هذا الصَّوم؟

 

2- وكان يُكلِّمُهم بالكلمة: يَبقى أنَّ للربِّ همًّا وحيدًا لم يَلجأ إليه من خلال الخوارق، حتّى لو كانت الجماهير تأتيه لرؤيتها أو الإستفادة منها. همُّه الأساسيُّ أن "يكلِّم بالكلمة" كما يقول النصُّ اليونانيُّ، ليخلق التلميذ الصالح والإنسان الجديد، وكلمته كانت تَصدُر دومًا عن عقله الرّاجح وقلبه المُحِبّ، علَّ القلب والعقل يَتجاوبان معها... "ومَن له أذنان سامعتان فليسمَع ويَحفظ... ويَعمل!".

 

هل أَدرَكتُ أَخيرًا أنَّ الربَّ ما زال يُعلِّم؟ وعندما أَصِلُ إلى القدّاس بعد الإنجيل ويَفوتني كلام يسوع، هل أَعرِف أنّني عندما لا أُصغي إلى الرِّسالة والإنجيل فإنَّ الربَّ يكون تحدَّث في الهواء؟ هل أَدرَكْتُ أنّني عندما أَقِف أو أَجْلِس "عند الباب"، نصفي في الدّاخل ونصفي في الخارج، يكون أكثر من نصف كلام الله ضاع عليَّ؟ ساعدني يا ربُّ لكي آتي باكرًا إلى القدّاس، وأُصغي لك كلَّ مرَّة تتكلَّم بها، فلا تضيع عليَّ أيُّ نَبرَة مِن كلامِك.

 

3- عمليَّة مجوقلة: إنَّ الإنجيليّين الإزائيِّين الثّلاثة - متَّى ومرقس ولوقا - يَنقلون لنا شفاء مُقعَد كفرناحوم الشَّهير، لكنَّ مرقس هو الأَشَدُّ إثارةً وتَشويقًا في تَصويرِه الدَّقيق لهذه العمليَّة الجويَّة المحمولة. "كاميرا" تتوقَّف أَوَّلاً على "السَّقف المَنبوش"، ومَن في شرقِنا القديم يَستَصعِب هذا العمل، الوحيد المُمكن، عندما تُسدُّ كلُّ الأبواب أَمامَ نَخوة الشُبّان وتِصميمهم على فعل ما يُريدُون؟

 

أَمَّا "الرِّجال الأربعة" الذين يَقومون بالمغامرة، فكلُّنا نَتَصوَّرهم عندما نتعرَّف إلى يسوع أنَّهم مغاوير الإيمان الرّائع والجسور! هذا الإيمان يَعمَل فعلاً العجائب! وعندما يَضيع هذا الإيمان فإنَّ النّور يَغيب عن العالم وتَتَعَطَّل معه "كاميرا" مرقس، ويَقِف الربُّ عاجزًا عن كلِّ عجيبة (مر 6/ 5، 9/ 21 - 24).

 

أمّا أنا، فهل أرَى ذاتي بهؤلاء الرّسل الأربعة؟ وأيُّ إيمانٍ أَحمِل؟ وماذا يُحمِّلني إيماني من مسؤوليّاتٍ في رعيَّتي إبَّان هذا الصَّوم؟

 

 

خلاصة:

هل أدركنا معنى الخطيئة لندرك عندئذٍ محبَّة الله لنا؟

 

لم أَفهَم يومًا، أكثر مِمَّا أفهمه في هذه الأيّام، ما قاله السَّعيد الذِّكر البابا بيوس الثاني عشر: "خطيئة إنسان اليوم الكبيرة هي أنَّه فقد معنى الخطيئة". ففي كلِّ مرَّةٍ أحشر المؤمنين في كرسي الإعتراف، بمناسبة العماد، أو القربانة الأولى، أو الزّواج، أسمعهم يُردِّدون، بعد إنقطاعِهم الطّويل، والذي يَصل أحيانًا إلى نصف قرن، عن الممارسة الدِّينيَّة: "الحمد لله يا أبونا ما في ولا خطيئة!" وأكاد أنفَجِر في وجوههم - كما فعل قبلي بولس - وأُردِّد معه: عطَّلتم صليب المسيح يا مَعشر... المؤمنين... الأحبّاء!

 

هؤلاء الغالبون أكثر من كلِّ الآخرين على قلب خادِم الرَّعيَّة، لم يَسمعوا، دون شكٍّ، صرخة إشعيا النبيِّ: "طُعن بسبب معاصينا وسُحِق بسبب آثامنا، نزل به العقاب من أجل سلامنا وبجرحه شُفينا" (أش 53/ 5). أَمَّا بولس فيُردِّد مرارًا: أنا أَسير لشريعة الخطيئة التي هي في أعضائنا أي في شحمه ولحمه، في نفسه وتنفُّسِه. فيا ليت صرختنا تكون صرخته: "من يُنجِّني من جسد الموت هذا!" وحبَّذا لو تكون أيضًا صلاتنا المتواضعة المنسحقة، صلاته هو أمام شرِّ الخطيئة وروح العداء والكراهية: "الحمد لله بربِّنا يسوع المسيح!" (روم 7/ 23 - 24). وعندما فقط نُدرك أنّنا بحاجة إلى الإعتراف أكثر من حاجتنا إلى الماء والهواء.

 

أجل، علينا أن نَعترف بأمرَين: أَوَّلاً، إنَّنا جميعًا خطأة، وثانيًا وعلى الرّغم من خطيئتنا، فإنَّ أبانا السّاكن في السّماوات يُحبُّنا حبًّا شديدًا. قال المُتصوِّف الإنكليزيّ الكبير جوليان زوف نوروتيش، وهو يشرح كيف يُمكن أن تتحوَّل خطايا حياتنا، إن أقررنا بها، إلى نعمة كبرى: "إذا لم نستطع أن نشعر بخطيئتنا فلن ندرك مقدار ضعف إرادتنا وبؤسنا من دون الله. كما أنّنا لن نستطيع أن نُدرِك مقدار عظمة حبِّ الله العجيب لنا. فعلى الرّغم من حبِّ الله العظيم لنا، فإنّنا نرتكب أبشع الخطايا. ولكنَّ بشاعة خطايانا لا تحرمنا أبدًا من حبِّ الله اللاّمحدود". فعلينا أن نقبل ونُدرك معنى حبِّ الله العظيم بالبساطة التي تسقط بها الخطيئة.

 

تُعبِّر كلمات هذا المُتصوِّف بصورةٍ جميلةٍ عمَّا قصده بولس بقوله: "ونحن نَعلَم أنَّ الذين يُحبُّون الله، كلُّ شيءٍ يُعاونهم للخير" (روم 8/ 28)، ويُضيف جوليان إلى كلام القدّيس بولس: "نعم، حتّى الخطيئة".

فإلى أيِّ مدى أنا مُستعدٌّ لأن أقبل طبيعتي الخاطئة وأعترف بها؟ هل سألنا يسوع أن يَخرج من هذه الطبيعة الخاطئة. كما فعل في كفرناحوم - شيئًا جميلاً؟

 

المونسنيور نبيل الحاج

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية