"عودوا إليَّ، تصالحوا مع الله"

 

 

 

"عودوا إليَّ، تصالحوا مع الله"

 

يَنطلِق السَيِّد المسيح من مبدأٍ واضِحٍ: على التّلاميذ أن يُحافِظوا على الشّريعة بطريقة أفضل ممَّا قامَ به الكتبة والفرِّيسيُّون. "فإنِّي أَقولُ لكم: "إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُم على بِرِّ الكتبة والفرِّيسيِّين لا تدخلوا ملكوت السَّماوات". أَتَت السّاعة الآن، لتطبيق هذا المبدأ على بعض الممارسات الدِّينيَّة أهميَّةٌ في ذلك الزَّمان: الصَّدَقة، والصّلاة، والصَّوم. يسوع يُحافِظ بدِقَّة على هذه الممارسات. غير أنَّ ما يَدفعه لأخذ مواقف من الشَّريعة ليس إنتقادًا للشَّريعة بحدِّ ذاتها، بل هو إنتقادٌ للأساليب التي تمارس بها الشَّريعة والهدف من ممارستها.

 

إنتقدَ الكتبة والفرِّيسيِّين الذين أخطأوا في ممارستها لأنَّ غايَتَهُم لم تَكُن سوى نَيل المَديح والأجر من النّاس.

 

 

فيقول يسوع: "إنَّهم نالوا أجرَهم". بينما الذي يُمارسها من أجل الله ينال من اللهِ أجرَه.

 

فالصَّدَقة كان لها أَهميَّة واحترام كبيران عند اليهود كونها عمل محبَّة، ويسوع موافق كلِّيًّا على هذا المبدأ. ولكن في عهده، كانت النِّداءات قد تعمَّمَت في إجتماعات المجامع، وحتّى في الشَّوارع كان يُعلَنُ اسمُ من قدَّم صدقة مُهمَّة. إنَّ تعبير "النَّفْخِ بالبوق" الذي يستعمله يسوع هو رمزٌ للدّلالة على الدّعاية التي قامَ بها المراؤون للصدَّقة في المجامع والشّوارع.

 

لا تنحصِر كلمة "المُرائين" في الدّلالة على الإنسان الذي لا تتطابق أعماله وأفكاره، بل يدخل عليها معنى آتٍ من اللّفظ الآراميّ المقابل والدالّ عادةً في العهد القديم على النِّفاق. فالمُرائيُّ مُعرَّض لأن يكون منافقًا، وقد يصبح أحيانًا أعمى، فيَفْسُد حكمه.

 

طلب السيِّد المسيح من تلاميذه أن يُعطوا الصَّدقة في الخفاء. وهذا ما تعنيه كلماته: "فلا تَعْلَم يسارَك ما صَنَعَت يَمينُك".

 

القاعِدة ذاتها تُعطى هنا عن الصّلاة. رافقت الذَّبائح في الهيكل صلوات جمهوريَّة، واعتُبِرَت المجامِع إمتدادًا للهيكل. فعندما يَحين وقت الصّلاة، كان الشَّعب يقوم بها حيث يكون، حتّى في "ملتقى الشّوارع". كان المراؤون يَنتهزون الفُرَص ليَفعلُوا ذلك فيُلْفِتوا أنظار النّاس إليهم. فاعتقدوا أنّهم بتطويل صلواتهم يستجيب الله لهم وينالون إعجاب النّاس.

 

طلب يسوع من تلاميذه أن يرفعوا إلى الآب صلوات بسيطة، وفي الخفاء. لكنَّ هذا لم يمنع يسوع من أن يذهب إلى الهيكل ويُصلّي مع الشَّعب أثناءَ الصّلوات الجمهوريَّة.

 

القاعدة ذاتها تُتَّبَع في الصَّوم الذي اعتُبِرَ مظهرًا للتوبة والعودة إلى الله. ففي العهد القديم، نجد تمييزًا بين الصَّوم الحقيقيّ، والصَّوم الكاذب (أش 58/ 5 - 6). الصَّوم الحقيقيُّ هو عودة إلى الله، هو عيدٌ ومَصدرُ فرحٍ. وباعتباره علاقة شخصيَّة بين الله والخاطئ ينبغي أن يكون في الخفاء، مع التأكيد على أنَّ اللهَ يُكافئ على الأشياء التي لا يَعرفها إلاّ الله وحده والخاطئ نفسَه.

 

يُذكِّر القدّيس بولس في رسالته اليوم، أنّه "باسم المسيح" هو سفير الله. "خطأةٌ" لكنَّ اللهَ يسامحنا في المسيح ويُصالحنا معه: "فها هو الآن وقت القبول يحسن" (2 قور 6/ 1).

 

كي ندخل في زمن الصَّوم ونجد طريق القيامة؟ كلمة الله هي دليلنا الوحيد: "عودوا إليَّ من كلِّ قلبكم" (يوء 3/ 12). إذا توجَّبَ علينا أن نعود فلأنّنا ضعنا وابتعدنا. لهذا السَّبب، الطريق التي ينبغي أن نسلكها هي الرّجوع، هي التَّوبة. ففي أُفُق الأربعين يومًا من الصَّوم يَنتَصِب صليب المسيح، فهو الهدَف. لأنَّنا بمرورنا في موت المسيح وقيامته، نبلغ الحياة.

 

 

"عودوا إليَّ"، "تصالحوا مع الله"، هذا هو النِّداء الذي نسمعه اليوم، ليس لنظهر أعمالنا الصَّالحة أَمامَ الآخرين، بل لنعيش "في البرارة" تحت نظر الله الآب. فبالصَّدقة والصَّلاة والصَّوم يَخلق فينا هذا الزَّمن المُقدَّس مساحات نتمكَّن فيها من أَن نتحرَّر من مخاوفنا ومشاكلنا النَّفسيَّة. بهذا المعنى يَعْرِضُ علينا السيِّد المسيح وسائل دقيقة:

 

الصَّدقة: كي يَجعلنا نَعِيَ أنَّ المال ليس كلَّ شيء، وأنَّ لنا ملء الحريَّة.  

 

الحريَّة: كي نتقاسَم خِبْرَتَنا مع مَن هم بحاجة إليها.

 

الصَّلاة: كي نُعطي وقتا للمجّانيَّة التي تُعيد إلينا من جديد روحًا سخيًا.

 

الصَّوم: كي نُقاوِم عالمًا فيه عددٌ وافرٌ من الرِّجالِ والنِّساءِ والأطفال الذين يَهلِكون جوعًا. يُساعِدُنا الصَّوم لنَشعُر مع الجياع ونَقِف إلى جانبِهِم مُطالبين بالعدل. طرق القيامة هي دائمًا طرق تحرير. اليوم، في مَطلَع الصَّوم المُقدَّس، نَكتَشِف حاجتُنا إلى العودَة. الله يَنظر إلى القلب. ومن رمادِنا هو قادِرٌ أَنْ يُفجِّر الحياة.

 

 

الأب يوحنا الحبيب صادر

 

     

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية