عيد العنصرة

 

عيد العنصرة

 

منذ انطلاقة الكنيسة وهي تحتفل بهذا العيد الكبير إلى جوار عيد الفصح المجيد، خمسين يومًا بعد قيامة الربِّ يسوع من بين الأموات، لذا يُدعى أيضًا عيد الخمسين، وهو تمام الأسابيع السبعة رمز الكمال. وهو عيد حلول الرّوح القدس على تلاميذ المسيح ومعهم بعض النسوة ومريم العذراء، وذلك بعد صعود يسوع إلى السماء بعشرة أيّام.

يرد عيد العنصرة في سفر أعمال الرسل (2/ 1-31). كان التلاميذ مجتمعين في علّيَّة صهيون، منزل مريم أمِّ يوحنّا الملقّب بمرقس، المدوِّن الأوَّل للإنجيل المُقدَّس، ومرافق كلٍّ من بولس وبطرس في رحلاتهما التبشيريَّة. دوَّى صوتٌ عظيمٌ مثل ريح عاصفةٍ وملأ جوانب البيت، وظهرَ الروحُ القُدُس بشبه ألسنةٍ من نار وحلَّ على رأسِ كُلٍّ منهم لسان، فامتلأوا من الرُّوح القُدُس وراحوا يتكلّمون لغاتٍ متعدِّدةً حسبما أتاهم الرّوح أن ينطِقوا. عندئذٍ انطلقوا يبشِّرون بكلمة الله، دون خوفٍ لا من حاكم ولا من ملك، لا من موت ولا من سجن أو اضطهاد أو تعذيب... فبدأ سمعان بطرس يخطب الجموع بكلمة الله معلنًا قيامة الربّ يسوع، داعيًا السامعين إلى الانضمام إلى حياة جماعة المؤمنين، إلى حياة الكنيسة الناشئة. فانضمَّ في ذلك اليوم زهاء ثلاثة آلاف نسمة. وهكذا انطلقت الكنيسة، فعُدَّ يوم العنصرة عيد ميلاد الكنيسة الفعليّ.

 

إحتفل اليهود بثلاثة أعياد كبيرة: عيد الفصح، عيد المظالّ، عيد العنصرة.

1) يتذكَّر العبرانيُّون في عيد الفصح خروجهم من مصر، أرض العبوديَّة على يد موسى، وعبورهم البحر الأحمر ودخولهم أرض الحرِّيَّة أرض الميعاد، الأرض التي عُرفت فيما بعد بأرض فلسطين، على يدِّ يشوع بن نون. كما يتذكّرون نجاتهم من براثن الموت عندما حصد شبح الموت أبكار المصريِّين ونجا أبكار العبرانيِّين من الموت المحتَّم، بعدما أكلوا حمل الفصح ورشُّوا دمه على عتبة بيوتهم، وهم على أهبة الانطلاق والهرب من العسكر المصريّ.

والمسيحيُّون يتذكّرون في عيد الفصح خروجهم من عبوديَّةِ الخطيئة ودخولهم إلى عالم السماء، فأضحوا أبناء الله الأحرار. كما يتذكّرون نجاتهم من براثن الموت بعدما مات المسيح على الصليب وجعل الموت مصدر عبور إلى الحياة الأبديَّة. فما عاد للموت سلطان على الإنسان، بل تحوَّل مع المسيح إلى رجاء وفرح وتعزية وحياة.

 

2) وعيد المظالّ هو عيد قطاف الأثمار. يحتفل به اليهود خمسة أشهر بعد عيد الفصح. فيه يتذكَّرون المظلّة التي صنعها موسى لتابوت العهد. فيقومون بمسيرة بالمشاعل المضيئة رمزًا لحضور الله وسط شعبه. هذا القدير الذي أخرجهم من مصر فأنار ليلهم من خلال عمود نار، ومنع الشمس من أن تحرقهم من خلال عمودٍ من غمامٍ خلال النهار. يتذكّرون هذا العيد ويصنعون مظالاً في الحقول، مقدِّمين بواكير ثمارهم لله الذي منه كُلُّ ثمرةٍ وبركة.

والمسيحيُّون يحتفلون بهذا العيد يوم الحصاد في 15 آب مع مريم العذراء التي استطاعت بطاعتها أن تكون باكورة المؤمنين الذين يعبرون من هذه الحياة إلى الحياة الأبديّة، فانتقلت بالنفس والجسد إلى السماء. هي التي رافقها الله طوال حياتها. وعاشت يظلّلها بحضور ابنه الدائم في حياتها. يسوع هو النور الذي ينير دربها، والغمامة التي تحجب كلَّ رذيلة عن عينيّ مريم وبصيرتها.

 

3) في عيد العنصرة، خمسين يومًا بعد الاحتفال بعيد الفصح، كان العبرانيّون يتذكّرون حصولهم على الشريعة على يدِّ موسى في البريَّة. دوَّن الله هذه الشريعة على ألواحٍ من خشب. وكان أنَّ الله رافق شعبه طوال تشرُّده في البريَّة إلى أن دخل إلى أرض الميعاد. وكان يؤمِّن له المنَّ والسلوى والماء الدفّاق.

أمَّا المسيحيُّون فهم أيضًا يحتفلون بعيد العنصرة فيتذكّرون الشريعة الجديدة التي أفيضت في قلوبهم يوم المعموديَّة، فأضحت مكتوبةً لا بمدادٍ ولا على ألواحَ خشبيَّة، بل في قلوبٍ من لحمٍ ودم. بعدما بلبل الله شعبه في بابل فتشتَّت في أربعة أصقاع العالم، ها هو يعيد اللّحمة بينهم، بعد طاعتهم له بابنه الوحيد، فيجمعهم تحت شريعةٍ جديدةٍ هي شريعة المحبَّة، وهي مكتوبة بروح الله في قلوبٍ من لحمٍ ودم. وما يرمز إلى وحدتهم هو حضور الله في حياة المؤمنين واتّحاده بهم من خلال تناولهم جسد المسيح ودمه.

 

 

أمّا رموز الرّوح القدس فنذكر منها:

 

1- النار: الله نار آكلة. والله روح. الله رافق شعبه عند خروجه من مصر بشكل عمودٍ من نار. هذه النار ترمز في العهد الجديد إلى الرّوح القدس الذي انسكب على رؤوس التلاميذ في العلّيَّة يوم العنصرة فأشعل فيهم روحَ النبوءة، روحَ القوّة، روحَ الشجاعة، روحَ التكلّم بالألسنة.

 

2- الماء: كما تفجَّرت ينابيع ماءٍ كلّما شعر شعب الله بالعطش، فكان موسى يضرب بعصاه الصخرة فتُخرِجُ ماءً ليرتويَ منه العِطاش؛ كذلك قال يسوع عن نفسه إنّه الماء الحيُّ الذي يشرب منه لا يعطش أبدًا. وهذا الماء يتدفَّقُ في قلب الإنسان حتّى يرتوي ولا يعود إلى العطش. هو الرُّوحُ القُدُسُ الماءُ الحيُّ الذي يجري في عروقنا، في قلوبنا، في كياننا، في روحنا، لترتويَ ولا تعود تعطش من جديد. هي المعموديَّة التي تحوِّل الإنسان إلى ابنٍ لله، وأخٍ للابن، ومسكنٍ للرُّوح. يوم العنصرة تعمَّد التلاميذ بنار الرّوح القدس فانطلقوا يعلنون البُشرى السارَّة.

 

3- الريح: هبَّتِ الريحُ العاصفة في أرجاء العلّيَّةِ معلنةً قدومَ الرُّوحِ القُدُس. والرِّيح والرُّوح هما من جزر واحد. فالرِّيحُ قد يكون نسيمًا عليلًا كما ظهر لإيليّا الذي فتَّشَ عنِ الرَّبِّ في العاصفة والهواء القويِّ إلى أن وجدَهُ في النسيم العليل. وقد يكون عاصفةً قويَّةً كما حلَّ الرُّوحُ يومَ العنصرة.

 

 

وهاكم أخيرًا بعض مفاعيل الرُّوح القُدُس:

1- روحُ القوَّةِ والشجاعة: كان التلاميذ خائفين بعدما تركهم الربُّ وصعد إلى السماء. وعدهم بالبارقليط المعزِّي، لكنَّهم ظلُّوا خائفين مختبئين في العلِّيَّة. ولمَّا حلَّ الرُّوحُ القُدُس انطلقوا يذيعون البُشرى غيرَ هيَّابين، بعدما تملّكتهم شجاعة سيطرت عليهم من لدن العليّ.

 

2- روحُ النبوءة: كما قال الربُّ يسوع: "أرسلُ إليكم روح الحقِّ الذي يذكِّرُكم بكلِّ ما قلته لكم، ويرشدكم إلى الحقِّ كلّه". والنبوءةُ هي نقلُ كلام الله إلى البشر. خرج التلاميذ وهم يحملون كلام الله إلى كلِّ شخصٍ التقوا به، من كلِّ أمَّةٍ ولسان.

 

3- روح التكلّمِ بالألسنة: بحسب أعمالِ الرُّسُل، استطاعَ كُلُّ بشرٍ، ينطِقُ بلغةٍ غريبة، أن يفهمَ على التلاميذ ماذا يتكلّمون. هي بابل الجديدة التي توحِّدُ الجميعَ بلغةٍ واحدةٍ هي لغة القلب، لغة المحبَّة. فما عاد الكلام يعني شيئًا، بل ما يحمله التلاميذ من محبَّةٍ لمعلّمهم وللذين أوكلهم أمرهم.

 

4- روح الحماسة والاندفاع: ما عادوا يستطيعون السكوت عمَّا عاينوا: "ذاك الذي رأيناه، ذاك الذي لمسناه... به نُبشِّرُكم". انطلـَقوا، بشَّروا، وُضِعوا في السجن، جُلِدوا، أُهينوا، فأظهروا فرحًا عامرًا لأنَّهم وُجدوا أهلاً لأن يتألّموا من أجل المسيح.

 

الرّوح القدُس هو العامل فينا. هو المُصلّي فينا بأنّاتٍ لا توصف. هو الذي يقودنا إلى الآب. هو الذي يحرِّرُنا من عبوديَّةِ الخطيئة لنكون أبناء الله الأحرار. الرُّوحُ القُدُس هو الذي يقودنا إلى المراعي الخصبة لنرتويَ من معينه ونأكل خبز البركة. الرُّوحُ القُدُس هو الذي يذكِّرُنا بكلِّ تعاليم السيِّد المسيح، والذي يجعلنا موحَّدين في الحبِّ والمسامحة والغفران.

 

الخوري أنطوان الدويهي

 

   

  

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية