عيد قلب يسوع

 

 

عيد قلب يسوع

 

يسوع حبّ

الحبّ هو قبلة من قلبنا على قلب الله. عند موت أحد العظماء، موتًا فجائيًا أو غير اعتياديّ، يُفتح جسده لمعرفة السبب. يسوع فتحوا صدره بحربة، وجدوا قلبه  وعلموا أنّه مات من الحبّ.

إنّ الله لا يمكنه إلّا أن يكون محبّة. وُجدنا للمعرفة، نعرف حتى نحبّ.

 

أظهر محبّته لنا،

1ـ في الخليقة، لأنّ كلّ شيء فيها أصبح خاضعًا له.

2ـ في الفداء، ما أجمل المسيح لنا في إنجيل يوحنّا لمّا يقول: "أنا الرَّاعي الصَّالح. الرَّاعي الصَّالح يبذل نفسه عن الخراف. هذه الوصيَّة قبلتها من أبي" (يو 10: 22). إي نعم، إنّه قد قبلها، وتمّمها بموته على الصَّليب لأجلنا.

3ـ في القربان الأقدس.

4ـ في قلبه الأقدس.

فكيف نحن نحبّه؟

قلب محبّ

لماذا أراد الله أن يخصّص عبادة لقلبه الأقدس دون سائر أعضائه، كالرأس مثلًا؟

لأنّ القلب هو معدن المحبّة، وينبوع كلِّ خير.

إذًا في عبادة قلب يسوع يوجد شيئان: القلبُ الحيّ الذي كان في صدره، ومحبّته لنا نحن البشر، ومركزها في هذا القلب الإلهيّ. والاعتبار الأوّل، ليس إلّا واسطة بها نتوصّل إلى الاعتبار الثاني الرُّوحيّ.

 

أي عندما ننظر صورة القلب، حالًا نفكّر بالمحبّة، التي أحبّنا بها. كما أنّنا عندما ننظر إلى الدخان، حالًا نفكّر في النار. ولمّا ننظر الزنبقة، حالًا نفكّر بالطهارة ولمّا ننظر إلى بنفسجة حالًا نفكّر بالتواضع. ولمّا ننظر إلى الحمل، حالًا نفكّر بالوداعة. ولمّا ننظر إلى الحمامة البيضاء، حالًا نفكّر بالرُّوح القدس...

 

فقلب المسيح يذكّرنا بمحبّته لنا، ولا حاجة إلى برهان يدلّ على أنّ القلب هو مركز الحبّ. قولوا لي أيّها الإخوة، أيّ شيء يتحرّك في جسمكم عند نظركم فقيرًا عريانًا... عند رؤية صديق... عند مجيء ولد... أو عند فقدانه... وأيّ شيء يتحرّك فينا، عند رؤية قلب يسوع... كأنّه يقول لكلّ واحدٍ منّا: "هوذا القلب الذي أحبّ البشر حبًّا فائقًا". ما من حبّ أعظم من هذا...

 

إنّ أمّنا الكنيسة المقدّسة تُرينا اليوم هذا الجنب، وتقول إنّه كتاب مفتوح، وكنز ثمين، ومسكن للصَّالحين.

 

دلائل حبّه

من أجلنا تخلّى عن سعادة الفردوس ومجده وعمّا هو عليه من الجلالة، فصار طفلًا.

من أجلنا قاسى البرد والجوع والعطش والفقر والنفي والإزدراء والافتراء وأفظع التهم.

 

من أجلنا رُبط وجُلد وبُصق عليه وهُزئ به ولُطم وكُلّل بالشَّوك وفُضّل برأبّا عليه. وصُلب بين لصّين ثمّ أولانا نعمته وتعاليمه واستحقاقاته ودمه حتى إنّه من على الصَّليب جعل أمّه أمًّا لنا.

 

ولمّا حبّه لنا لم يقف عند هذا الحدّ، لمّا لم يطاوعه قلبه في أن يتركنا يتامى على هذه الأرض أرض المنفى، فإنّه صنع أكبر معجزاته بإعطائنا نفسه في سرّ القربان. على هذا المنوال صار لنا رفيقًا وطبيبًا ومحاميًا وطعامًا وقربانًا مُضحّى به دائمًا في ذبيحة القربان.

 

فبحقّ يردّد يسوع على كلٍّ منّا كلمات أشعيا النبي: "أيّ شيء يُصنع للكرم ولم أصنعه لكرمي".(اش 5/ 4). على أنّ فريقًا من الناس، حتى من المسيحيِّين، لا يقابلون هذا الحبّ إلّا بالفتور وإنكار الجميل. فلذلك تراءى يسوع لرسولة محبّته القدِّيسة مرغريتا ألاكوك وقال لها وهو يُريها قلبه المطعون بحربة: "هوذا القلب الذي أحبّ البشر كثيرًا حتى فني وتلاشى إثباتًا لمحبّته إيّاهم، ومعظمهم لم يقابلوه إلّا بإنكار المعروف".

 

لمّا أظهر يسوع قلبه المطعون بالحربة يحفّه الشَّوك ويعلوه الصَّليب ويقطر كلّه دمًا، كانت غايته أن يكاشفنا بعظم حبّه لنا وفظاعة إنكار المعروف من قبل الغافل عنه، غير المكترث لأمر خلاص نفسه. فإنّه ظهر للقدِّيسة مرغيت أكثر من اثنتين وثمانين مرّة، ليُعيد عليها الكلمات التالية: "أنا حزين لأنّي لست محبوبًا".

 

قلب يسوع الرَّحيم والخطأة

كثيرًا ما صرّح يسوع في الإنجيل بأنّه جاء إلى الأرض رحمة بالخطأة: "لم آتِ لأدعو الصدّيقين بل الخطأة" (متى 12: 9). "ليست مرضاتي بموت المنافق، لكن بتوبته، فيحيا" (حز 11: 22).

فقلبه هو الملجأ الذي فيه يجد الخطأة الخلاص وهو ينبوع الرَّحمة وبحرها الزاخر. أمّا غايته من جميع أتعابه وتذلّلاته وآلامه وموته فلم تكن سوى خلاص الخطأة.

هو الرَّاعي الصَّالح، الذي ترك التسعة والتسعين خروفًا في أمان وسعى في طلب الضالّ بين المهاوي والمنحدرات ولمّا وجده حمله على منكبيه وأتى به إلى الحظيرة. فالخراف الآمنة رمز إلى ملائكة الفردوس الذين تركهم فأتى إلى الأرض يفتّش عن البشريَّة الخاطئة.

 

هو الأب الحنون، الذي ندب سوء حظّ الابن الشَّاطر ولم يهدأ له بال إلّا حين رآه عائدًا إلى البيت الأبويّ. هرع مبتهجًا إلى استقباله وألقى بذراعيه على عنقه وضمّه إلى قلبه ودعا خلّانه كافّة ليفرحوا معه قائلًا: "إنّ هذا الابن كان ضالًا فوجد وكان ميتًا فعاش". (لو 15).

 

هو حامي الزانية من شاكيها الذين قال لهم: "مَن كان منكم بلا خطيئة فليبدأ ويرميها بحجر". فلمّا سمع الشَّاكون طفقوا يخرجون واحدًا فواحدًا  وبقي يسوع وحده والمرأة قائمة في الوسط فانتصب يسوع وقال لها: "يا امرأة، أين الذين يشكونك؟" ثمّ التفت إليها فلفظ تلك الكلمات المعزية: "يا امرأة أما حكم عليك أحد؟" قالت: "لا يا ربّ" فقال يسوع: "ولا أنا أحكم عليك اذهبي بسلام ولا تعودي تخطئين" (يو 8: 2).

 

إنّ قلب يسوع ملؤه الحنوّ وكأنّه لا يجد فرحًا أعظم من فرحه بالصفح عن الخطأة وبهدايتهم سواء السبيل.

 

غفر لزكّا الذي شرّفه بزيارته في بيته. غفر للمجدليَّة الخاطئة المشهورة التي ارتمت على قدميه وهو في مأدبة وبللتهما بالدُّموع. غفر للسَّامريَّة كاشفًا لها ذنوبها. غفر لبطرس الذي أنكره إنكارًا مذريًا معيبًا وقد نظر إليه نظرة عطف. غفر من على الصَّليب لصالبيه أنفسهم وقد عذرهم لدى أبيه الأزليّ على أنّهم لا يدرون ما يعملون. غفر للصّ الصَّالح ووعده ذلك الوعد المعزّي: "إنّك اليوم تكون معي في الفردوس" (لو 23).

 

آه، ما أعظم اهتمام يسوع بالخطأة! كم يرغب في ضمّهم إلى قلبه وتقبيلهم قبلة الغفران. ألم يُرق دمه كلّه لأجلهم؟ فلذلك لا صلاة أكثر قبولًا لديه من التي نرفعها إليه لأجل توبة الخطأة.

 

يا قلب يسوع المحزون لأجل خطايانا ارحمنا

 

فنحن لا نكرِّم القلب وحده ولا الحبّ وحده بل القلب المحبّ.

 

لمَّا نكرِّم القلب، نكرِّم الشَّخص بكامله كما أنّنا عند تقبيل يد إنسان لا نكرِّم فقط اليدّ بل الشَّخص بكامله. اللّهيب دلالة على الحبّ أمّا الجرح من صنعه؟

من كلّمك بلغته تكلّمه بلغته. المسيح كلّمك بالحبّ، أجبه بالحبّ.

 

 

من كتابات الأب يعقوب الكبّوشيّ

                                              

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية