عيد ميلاد سيّدتنا مريم العذراء

 

 

 

عيد ميلاد سيّدتنا مريم العذراء

 

"نحن لا نبشِّر بأنفسنا، بل بيسوع المسيح ربًّا". إنَّ السِّراج الذي يوقد على مَدخل البيت يهدف إلى أن يرى الدّاخلون، أو الذين يُريدون أن يدخلوا. إنَّ نوره يهدف بشكلٍ خاصٍّ إلى إرشاد الذين في الخارج ليدخلوا ويلتقوا بصاحِب البيت وبأهل البيت. هذا النّور بالطّبع يوقده صاحب البيت، وهو علامة على كرَمِه ورغبته في أن يجده الذين في الخارج. لذلك يوضَع على منارة، على مكانٍ خاصٍّ عالٍ، فيسطع نوره أكثر فأكثر. بولس هو كالسِّراج الذي يُضيء برحمة الله من خلال خدمته.

 

صاحب البيت هو المسيح يسوع، هو الذي "أضاءَ نوره في قلوبنا لتشرق معرفة مجد الله"، هو الذي يُريد أن يدخل القائمون خارجًا إلى الملكوت، لكي يشاهدوا نوره الحقيقيَّ. ولكن، لكي يصلوا إلى هذا الدّاخل السّاطع كالشّمس، عليهم أن يشاهدوا ضوءَ السّراج وينجذبوا إليه. هذا النّور ضئيل نسبةً إلى شمس البيت السّاطعة، إنَّه نور الكلمة التي يحملها تلميذ ليسوع. لذلك لا يأتي هذا النّور من السِّراج، أي المؤمن الذي يحمل النّور، بل من المسيح الذي قال: "ليُشرق من الظّلمة النّور".

 

ولكنَّ البعض لا يريد أن يستنير بحقيقة المسيح وبرحمته؛ ولا مشاهدة النّور الوضَّاء؛ فيفسح المجال للشَّيطان ليعمي بصرَه. إنَّ سراجه الذي يضيئه المسيح، يضعه هو تحت الوعاء فيحجب نور الكلمة عن ذاته، ويحجبها عن الآخرين. لذا فهو يعيش في المكر ويزوِّر كلمة الله التي هي "مصباح لخطاي".

 

مريم هي مثال المؤمن الحقيقيِّ. هي التي "آمنت بما قيلَ لها من قبل الربِّ"، وأصبَحَت كلمة الله نورًا في أحشائها، حملَتها لتُشعَّ على كلِّ مَن تلتقيه. وأكبر مثال على ذلك هي إليصابات التي، ما إن سَمِعَتْ سلامَ مريم، امتلأت من الرَّوح القدس، هي والطّفل الذي في أحشائها، وتنبَّأت: "من أين لي أن تأتيَني أُمُّ ربِّي؟".

 

إنَّ يسوع يرغب في أن يُخلِّص جميع النّاس، لذلك يُعطيَ "التِّلميذ الذي يُحبُّه" أن يكون هو أيضًا نورًا. هو الذي يضع "زيت الأعمال الصَّالحة" فينا، لكي تُضيء وتجذب الآخرين ليقتربوا من الربِّ، إله الخلاص. إنَّ هذا النّور القليل الذي فينا أعطاناه الله لكي ننشره من خلال إلتزامنا بكلمته. ولكن إذا ما عرفنا كيف نسمَع هذه الكلمة، ولم نكُن أرضًا جيِّدةً تُثمِرُ فيها، تخلَّينا عن هذا النّور الذي فينا، وأغلقنا ذواتنا عن المسيح الذي يمدُّنا بالنّور، ينطفئ فينا النّور الذي وضعه هو فينا، ونتحوَّل إلى ظلمة. لذلك سينتزعه منَّا في يوم الدَّينونة إذ لم نكن أُمناء على القليل ولن يجعلنا أمناء على الكثير.

 

هكذا نفهم ربط الإنجيليُّ لوقا لهذا المثل بعائلة يسوع التي تفتِّش عنه، على رأسها مريم. إنَّ الرَّغبة برؤية يسوع، "رؤية المجد الذي على وجهه"، تعني الرَّغبة بالدّخول إلى الملكوت، الرَّغبة بأن تستنير قلوبنا بدفء شمسه. مريم هي أُمُّه، ولكن بالأكثر هي تلميذته. فهي سمعَت كلام الله، وحفظته، وتأمَّلَت به في قلبها. ولم تكتفِ بذلك، بل قامَت ومَضَت مُسرعةً إلى مَن هي في حاجة إليها، فكانت هي السِّراج الذي أشعَّ على إليصابات ويوحنَّا.

 

مريم هي مثال المؤمن المُستعدِّ دومًا لسماع كلمة الله، فعند بشارة الملاك، كان تساؤلها ليس عن زيارته لها، بل عن معنى السَّلام الذي يحمله وأبعادَه بالنّسبة لحياتها؛ وما إن فهمَت إرادة الله حتَّى تلقَّفت رسالتها. فمريم "التّلميذة التي أحبَّها يسوع"، إستنارَت به فصارَت بشهادتها نورًا لمَن يرفض الإنجذاب إلى أصنام هذا العالم؛ وُلِدَت وعاشَت رافضةً كلّ خطيئة، ومنتصرةً على التَّجارب، كما انتصر ابنها في الصَّحراء. فأصبحَت حياتها مماثلةً لرسالتها، إذ خلقها الله لتكون أُمَّه على الأرض، وتحمله نورًا للآخرين، وهي قبلت رسالتها هذه وعاشتها في العُمق: كانت تحمله، تنقله إلى الآخرين، تفتِّشَ عنه، تبغي أن تراه، وأكثر من كلِّ إنسانٍ آخر، كانت ترغب في أن تسمَع كلمته وتعيش بحسبها.

 

في عيد مولِد العذراء مريم، نحن مدعوُّون جميعًا إلى أن نعود ونكتشف أهميَّة حياة كلِّ إنسانٍ. فالقتل بكلِّ أنواعه أصبحَ مُباحًا، لا بل يُنادى به على السُّطوح: قتل الجنين أضعف النّاس؛ قتل النّاس من خلال الجوع والحروب؛ قتل المريض الذي لا فائدة منه؛ قتل الآخر لأنَّه أفضل منِّي أو لمجرَّد أنَّه موجود...

 

تعالوا نكون من عداد عائلة يسوع، تلاميذ أحبَّاء على قلبه، نقبل حياتنا كعطيَّة مجَّانيَّة منه، هدفها أن نتقدَّس، وأن "ننبذ كلَّ تصرُّفٍ خفيٍّ شائن"، وأن نفتِّش عنه ليضيء فينا ومن خلالنا. فنكون أبناء الكنيسة، إخوة يسوع، نبتغي أن نراه ونلتقي به: في الكنيسة، في الكتاب المقدَّس، في الأسرار، وفي الآخر الذي يحمله وهو وصورته ومثاله.

 

في عالم تملأه ظلمة الموت، لنثمِّن الحياة. في عالم تسيطر عليه الأنانيَّات، لنتطَّلَّع إلى يسوع النّور. في عالمٍ تملأه الدِّعايات والأقاويل الكاذبة، لنتأمَّل يسوع الكلمة الحقَّ ولا نُتاجر به. في عالم يدعونا إلى التطلُّع إلى مجدنا، لنرغب في مجد الله وخدمة الآخر.   

 

الأب روجيه راجحة