"في ذلك الوقت ظهر يسوع": الظهور

 

 

 

"في ذلك الوقت ظهر يسوع": الظهور

 

إنَّ في تدبير الخلاص ثابتة يمكننا دائمًا أن نتحقّق منها في حياتنا وهي أنّ الظهورات الإلهيّة، أو انكشافات السرّ، تكون على قدر ما في الحبِّ من "تجرّد". فكلّما زاد إلهنا من بذل ذاته، ظهر لنا أكثر. و"الكلمة"، في تجسّده، "تجرّد من ذاته مُتّخذًا صورة العبد وصار على مثال البشر" (فل 2/ 7). فكيف سيُظهره "الرّوح" على حقيقته؟

 

"في ذاك الوقت ظهر يسوع، وقد أتى من الجليل إلى الأردنّ، قاصدًا يوحنّا ليعتمد عن يده" (متى 3/ 13). يذهب يسوع إلى الإنسان لـ"يغطس" فيه، في إنسانيّته، إلى أن يعتمد في موته. فعندما ظهر يسوع، إخترق سرّ الحبّ العلامة التي ظهر من خلالها: نهر الحياة "المكتوم منذ الدهور" غطس في الأردن. وهذا النهر، الأحقر والأكثر تواضعًا بين أنهر العالم، أصبح العلامة التي تحمل في ذاتها "السرّ". يسوع اعتمد في الماء، هذه هي العلامة. أمّا الحقيقة المعتلنة فهي أنّ الجسد والزمان، الإنسان والعالم، قد امتلأت كلّها، منذ اعتماد يسوع، من "كلمة الحياة"، ولبست كلّها كلمة الحياة، مرّة وإلى الأبد.

 

إنّ ظهور ملء النّعمة في الجسد هو سرّ "مسحة": "المسيح". ففي يسوع تتغلغل طاقة الحبّ كلّها في الطاقة البشريّة في "مسحةٍ" ترفع وتُحيي. في يسوع، يهب الآب ذاته كلّيًّا، والإبن يقتبله، وفيه يقدّم كلّ ما هو بشريّ للآب ليحلّ الآب فيه ويتمدّد. ففي يسوع تتحقّق بشكلٍ ساطع "الطاقة المشتركة" (السينرجية) التي تعطي الحياة للكلّ: ليس الأمر مجرّد فعل إلهيّ من هنا وفعل بشريّ من هناك، بل هو فعلُ "مسيح"، فعلٌ "مسيحيّ". "وحدة دون اندماج، وتميز دون انفصال"، كما سيعبّر عنه بعد أربعة قرون مجمع خلقيدونية. فالمسيح يحيا الله بشريًّا والإنسانَ إلهيًّا في كلِّ ما يعمله، لا بحسب وحدةِ طريقة، بل في وحدةِ شخص. وتتجلّى رائعة "المسحة" هذه، خلال حياته البشريّة كلّها.

 

عندما يتكلّم المسيح، يصغي سامعوه إلى يسوع الإنسان، وفي الوقت نفسه يكون الآب ينطق بذاته في كلمته المتجسِّد. وحتّى إذا لم يكن الناس بعد قادرين على أن يتبيّنوا، بالإيمان، سرّ الوحدة القائم بين المسيح والآب، فإنّ أكثرهم بساطة لا يُمكنه إلا أن يندهش أمامه ويتعجّب: "ما تكلّم إنسان قط مثل هذا الرجل" (يو 7/ 46). وعندما يعمل المسيح عملا ً ما، فإنّ أقلّ أعماله وأكثرها بشريّة، وليس أعماله المدهشة فقط، هي تعبير عن انعكاس سرّ الآب. فإذا بدا يسوع متواضعًا، فما ذلك عن قصد ما، أو لكي يؤقلمنا مع قداسته، بل لأنّها الحقيقة: حقيقة الإنسان وحقيقة الله. فإلهنا متواضع أكثر ممّا يمكننا أن نتصوّره. وعندما يبكي يسوع، فذلك يعني أنَّ الألم السريّ عند الآب المحبّ قد دخل حقـًّا في حالتنا البشريّة. يجب إعادة قراءة الإنجيل على ضوء هذا الظهور الإلهيّ. فكلّ مظهر من مظاهر "تجرّد" الكلمة، أي حالتنا البشريّة الحقيقيّة الأصليّة كلّها، يُظهر "قدّوسَ الله" الغاطسَ في هذه الحالة. فباعتماد الإبن في بشريّتنا، كلّ جسد – شخص أو جماعة، زمن أو عالم، ألم أو فرح، موت أو حياة – صار مشبعًا بحضور "القدّوس". فالزمن "مُسح" بملئه نهائيًّا. وليس ما يعكس مجرى التاريخ واتّجاهه هو جوابنا أو مشاركتنا، بل هو نهر الحياة.

 

هذا الحدث يختمه الآب ذاته بشهادته: "هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيت" (متى 3/ 17). "هذا؟" أي الرّجل الذي يراه الناس ويظنونه ابن يوسف، وهو في الحقيقة ضياء مجد الآب. فبه سيتمكّن كلّ من أبناء الله المشتّتين أن يصير فرح الآب وسُكناه المنشودة. فالصّوت الآتي من السّماء لا يُبشّر بوعد، بل يعلن غبطة الإندهاش من الحدث المنتظر منذ عمق الأجيال: الإنسان المشوّه المختبئ بعيدًا عن وجه الله، ها هو الآب يجده أخيرًا في ابنه الحبيب.

 

صحيح أنّه بين الناس "مثل من لا تعرفونه" (يو 1/ 26)، ولكنّه موجود بينهم كائن في وسطهم. سرّ "الزواج" هذا، الذي لا يُدركه إلّا "صديق العريس"، يعيشه يسوع في أعماق قلبه. مَن يستطيع أن يستشفَّ ما تحمّله المسيح ليختم هذا "العهد" في حقيقة قلبه البشريّ؟ لأنّ في هذا القلب ستعاش حقـًّا مأساة نهر الحياة على مدى حياته الفانية. أن يكون في كلّ لحظة إلهًا وإنسانًا بلا انفصال، يعني أن يستقبل باستمرار جدّة حياة الآب، وأن يرث عن طريق أمّه العذراء، كلّ أديم بشريّتتنا. أن يكون مكان التقاء توقين، عطشين، عالمين: عالم النّعمة وعالم البشر. أن يكون تقاطع (صليب) حبّين، وسُكنى عهدهما. أن يكون تنازع حنينين ومركز تسكينهما. "من الذي آمن بما سمع منّا؟". الينبوع ههنا، وهو قلب "الخادم": مكان شغف الله وشغف الإنسان، الشغف المشترك، الحبّ المشترك، التعاطف (la Compassion). هنا يولد الله في الإنسان والإنسان في الله. هنا مكان الولادة والمعرفة. هنا العتبة التي يقف عندها الموت عاجزًا، هنا سكون الفرح والإنفجار... ففي هذا القلب، في "تجرّده" الحاسم، سيتفجّر النهر ويعتلن مجد الآب. عندها "سيعاينه كلّ بشر" (أش 40/ 5) وستكون "ساعة يسوع"، "حدث السر".

 

 

"ليتورجيّة الينبوع"

الأب جان كوربون

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية