في لاهوت الجمعة العظيمة وروحانيّتها

 

 

 

 

في لاهوت الجمعة العظيمة وروحانيّتها

 

في لاهوت الجمعة العظيمة وروحانيّتها

 

 

بحسب التتابع الزمنيّ للثلاثيّة الفصحيّة (أيّام الفصح الثلاثة)، يستذكر الإحتفال بالجمعة العظيمة الأحداث التالية من أحداث الآلام الخلاصيّة: مثول يسوع أمام بيلاطس والحكم عليه بالموت، جلد يسوع وتكليله بالشّوك، حمل يسوع صليبه والصّلب، موت يسوع ووضعه في القبر. لقد إستعاد المسيحيّون، منذ القديم، هذه الأحداث المأساويّة، وإحتفلوا بها بطرق عديدة: ليتورجيّة وتقويّة.

 

من النّاحية اللّيتورجيّة واللاّهوتيّة والرّوحيّة، يرتبط الإحتفال بالجمعة العظيمة بالإحتفال بخميس الأسرار، من جهّة، وبالإحتفال بسبت النّور أو السبت العظيم، من جهّة أُخرى. فمن خلال إستذكار عشاء الربّ الأخير، وتأسيس الإفخارستيّا، تعطى للمؤمن إمكانيّة أن يشترك فعليًّا، هو أيضًا، في آلام المسيح، وذلك من خلال التقدُّم من المائدة المقدّسة، وتناول جسد الربّ، ما يدخله في سرّ المسيح المُتألِّم الذي يبذل نفسه لأجله هنا والآن. كذلك، من خلال مكوث الربّ في القبر، ونزوله إلى الجحيم، يتضامن المؤمن مع المسيح في موته، وفيه مع سائر الأموات، ويختبر رجاء القيامة تنهي ليل الموت المُظلم.

 

في دورتها الطقسيّة، تركِّز اللّيتورجيّا المارونيّة على ثلاثة أيّام "جمعة" من تاريخ الخلاص: الجمعة الأولى هي "جمعة الخلق"، وفيها خلق الله الإنسان، وفيها أيضًا زلَّ آدم وسقط؛ والجمعة الثانية هي "جمعة الفداء والصّلب"، والجمعة الثالثة وهي "يوم الجمعة" من كلِّ أسبوع، وبخاصّة "يوم الجمعة العظيمة".

 

هناك ترابط عميق بين أيّام الجمعة الثلاثة هذه. ففي يوم جمعة الخلق الأولى، نتأمَّل في خلق الله للإنسان على صورته ومثاله (تك 1/ 26)، وإقامته في الفردوس في إلفة وحميميّة معه، وتسليطه على سائر المخلوقات. لكنَّ الإنسان تعدَّى وصيّة الله بحريَّته، وسقط عن منزلته، وشوَّه صورة الله فيه، فطرد من عدْن، وجرَّ معه في خطيئته البشريّة جمعاء. لكنَّ الربَّ الخالق لم يشأ أن يترك الإنسان في شقائه، فأرسل إبنه الوحيد ليخلِّصه ويفديه في "جمعة الفداء الثانية"، وفيها نتأمَّل كيف قدَّم إبن الله ذاته على الصّليب ذبيحة فداء وتكفير عن خطيئة آدم، محقِّقًا الخلاص والتّحرير. على جمعة الخلق والزلّة الأولى، تجيب جمعة الفداء والخلق الجديد الثانية. هاتان الجمعتان نستذكرهما في "يوم الجمعة" من كلِّ أسبوع، وبشكل خاصّ في "يوم الجمعة الأسبوع العظيم"، أسبوع الآلام، وفيها نستذكر فداء المسيح وخلاصه، ونعيشهما، بطريقة رمزيّة، من خلال رتبة سجدة الصّليب ودفن المسيح، ودرب الصّليب، وسائر الممارسات التقويّة. لذلك تدعونا الكنيسة إلى أن نعيش هذا اليوم بتقوى وورع من خلال الصّوم، والإنقطاع، والإماتة، والصلاة، والصّمت، وذلك إفساحًا في المجال للتأمُّل بالمعاني الخلاصيّة والرّوحيّة الجزيلة التي يحملها صليب المسيح.

 

في وسط الإحتفال بالجمعة العظيمة، يرتفع صليب المسيح، كذلك كما إرتفع،  في وسط الأرض، منذ ألفيّ سنة، مجتذبًا إليه البشريّة كلِّها لا بل الكون بأسره (يو 12/ 32). لذلك، تركِّز النّصوص اللّيتورجيّة والصّلوات في هذا اليوم على معاني الصّليب اللاّهوتيّة والرّوحيّة الأساسيّة: إنّه محور تاريخ الخلاص، وشجرة عدْن الجديدة، وباب الفردوس، وفلك نوح، وذبيحة العهد الجديد، والسلَّم الذي يصل الأرض بالسّماء، وأداة الفداء، وعلامة إفتخار المسيحيّ، وراية الظّفر في المعركة ضدَّ الشرِّ والخطيئة، والعلامة التي ترافق المسيح في مجيئه الثاني للدّينونة والقضاء، وأخيرًا الجسر الذي عليه نعبر من هذه الحياة إلى الحياة الأخرى.

 

من هذه المعاني كلّها، تتجلّى أمامنا الأهميّة المحوريّة التي يعلِّقها الإيمان المسيحيّ على يسوع المصلوب الفادي، وعلى صليبه وسيلة الخلاص. بسبب هذه الأهميّة، يضحي يوم الجمعة العظيمة يومًا فريدًا وحيدًا ونهائيًّا في تاريخ البشريّة. إنّه يوم صراع كونيّ مرير ونهائيّ عاشه المسيح، وفيه إنتصر على الخطيئة وعلى قوى الشرّ والظلام.

 

ولكنّه أيضًا يوم الفداء والخلاص بإمتياز. ففيه إفتدى المسيح الإله والإنسان آدم وذرِّيَّته من خطيئتهم، وضمَّ إليه أقطار الأرض الأربعة بذراعيه المبسوطتين. ووحَّد الأرض بالسّماء بخشبة صليبه المرتفع من الأرض إلى السّماء، ووصل الزّمن بالأبديّة، وأسَّس الكنيسة والأسرار بالدمّ والماء اللذين سالا من جنبه المطعون بالحربة (يو 19/ 34). لذلك، وبإرتباط وثيق برواية الآلام والصّلب في إنجيل يوحنّا، تردَّد صلواتنا المارونيّة، في هذا اليوم، أنَّ المسيح السّائر نحو الجلجلة هو المسيح الملك الذي يمشي درب الألم ليتوَّج على عرش الصّليب ملكًا إلى الأبد.

إنّما لكي نفهم الدّافع الذي قاد المسيح لأن يبذل ذاته على الصّليب، علينا أن نربطه بالموقف الأساسيّ الذي ميَّز حياته: طاعته المحبّة للآب.  فإذا كان الإبن أطاع "حتّى الموت والموت على الصّليب" (فيل 2/ 8)، وإذا كان أحبّنا فأعطانا ذاته (غل 20/ 2)، فهذا يجعل منه مصلوبًا الإيقونة الحيّة لله ولحبّه الأبويّ. وعندما ننظر إليه (يو 19/ 37)، نكتشف مقدار الحبّ الذي يحبّ به الآب أبناءه: إنّه حبّ بذليّ: "هكذا أحبّ الله العالم، حتّى إنّه أعطى إبنه الوحيد" (يو 3/ 16).

 

بصفته مفتاح قراءة تاريخ الخلاص والفداء، يشكّل صليب المسيح أيضًا مفتاحًا لقراءة تاريخ الكنيسة، وحياتها، وشهادتها، وعبادتها، وإختبارها الرّوحيّ، وتفكيرها اللاّهوتي، وتبشيرها، وعملها الرّاعويّ، فأمام المصلوب حبًّا وخلاصًا، وأمام صليبه، يوضع الموقف الرّوحيّ المسيحيّ بصفته إقتداء المُعلِّم، وحمل الصّليب معه، والسّير وراءه "على طريق الصّليب الملوكيّة" (كتاب الإقتداء بالمسيح، الفصل الثاني، السفر 12). لكن ماذا يعني لنا هذا التماثل مع المسيح المتألِّم والمصلوب؟ وماذا يعني أن "نحمل صليبنا كلّ يوم ونتبعه" (لو 9/ 23)؟

 

إنّه يعني، بالدّرجة الأولى، أن نكون أمناء له مهما كان الثمن، فنقبل منه كلّ شيء، ونخرج من أنانيّتنا، لنضعه هو، والإنجيل، والآخرين، في محور إهتماماتنا ومشاريعنا. لكن علينا أن نُدرك جيِّدًا أنَّ مثل هذه الأمانة لا يمكن أن تتحقَّق فينا ما لم نترك الرّوح القدس يخلقنا من جديد، ويكوّننا على مثال المسيح المصلوب. هذا هو الشّرط الأساسيّ الذي يمكنّنا من أن نتصرَّف على مثاله (1 يو 2/ 6)، فنتضامن بدورنا مع المتألّمين في روحانيّة أصيلة محورها المسيح، وقائدها الرّوح القدس. هكذا يضحي الإستناد إلى الصّليب وإلى المسيح المصلوب حبًّا وتضامنًا وبذلاً للذات، المعيار الذي يُحدِّد تصرّفنا التضامنيّ، ويعطينا القوّة والشجاعة لنساهم في فتح أبواب الرّجاء والخلاص أمام كلِّ يائس ومُحتاج.

 

عندما تبشِّر الكنيسة، في يوم الجمعة العظيمة، وفي كلّ يوم جمعة من تاريخ البشر، بالمسيح مصلوبًا (1 كور 1/ 23)، من أجل كلّ إنسان وبخاصّة من أجل كلّ إنسان مسمَّر على صليب الألم بمُختلف وجوهه وأنواعه، فهي تدعوه إلى أن يرفع نظره نحو وجه المسيح المتألّم، ويرى فيه وجهه وصورته. فكلّ إنسان يجب أن يرى المسيح ليس فقط معه وإلى جانبه، بل مشابهًا له أيضًا. بطاعته للآب وقبوله الموت على الصّليب، قبل إبن الله أن "يشوِّه" في كرامته وهويّته: "مزدرى ومتروك من النّاس رجل أوجاع وعارف بالألم ومثل من يُستر الوجه عنه" (أش 53/ 3). لقد لبس المسيح صورة المصلوب، صورة الأخير بين البشر، لكي يكون لكلّ إنسان، وبخاصّة للأخيرين وغير المحسوبين، إمكانيّة أن يجدوا أنفسهم فيه، مثبّتين نظرهم على "يسوع مبدأ إيماننا ومكمّله... الذي، في سبيل الفرح المعروض عليه، تحمّل الصّليب مستخفًّا بالعار، ثمَّ جلس عن يمين عرش الله" (عب 12/ 2).

 

لكنَّ هذا التضامن في الألم لا يبلغ كامل غايته ومعناه إلاّ بالقيامة. فالمسيحيّة ليست سبيلاً للحزن واليأس والألم والموت، بل سبيلاً للفرح والرّجاء والحبّ والحياة: "نحن أُناس قياميُّون" (المطران جورج خضر).

 

لذلك من المستحيل أن نفصل الصّليب عن القيامة، وإلاّ لما أمكننا التأمّل بحبّ المسيح ومجده. هناك ترابط لاهوتيّ أساسيّ بين يوم الجمعة ويوم الأحد. فالمسيح الميت والموضوع في القبر لم يبقَ هناك، بل قام وهو حيّ وحاضر دائمًا وأبدًا. هذا ما تعلنه الكرازة المسيحيّة الأولى (أع 2/ 23 - 24؛ 1 كور 15/ 3 - 7). إذًا من الإيمان بتقدمة المسيح ذاته على الصّليب "مرّة واحدة نهائيّة" (عب 7/ 27)، وبإعلان إنتصاره على الخطيئة والألم والموت، يجب أن تنبع القناعة الحقيقيّة بأنّ يسوع هو الربّ، وبأنّه قادر بالتالي على أن يتدخّل بروحه الباعث والمُحيي، ليُحرِّرَنا من كلِّ عبوديّة وضعف ومعطوبيّة بشريّة. علينا أن نعي تمامًا أنَّ الخلاص يثمر دائمًا في الإيمان وفي الخليقة الجديدة التي حقّقها لنا المسيح عندما صالحنا مع الله ومع سائر البشر بصليبه الذي به دمَّر العداوة (أف 2/ 16).

 

إنَّ إستذكار أحداث الجمعة العظيمة، والإحتفال بها، هو في قلب إيماننا المسيحيّ، كما نردِّد، كلّ يوم، في قانون الإيمان: "لأجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا... صُلب على عهد بيلاطس البنطيّ، وتألّم، ومات، وقبر". فمن الطبيعيّ أن يعيش كلّ مسيحيّ مؤمن هذا اليوم كيوم مميَّز وخاصّ في حياته. فلا يجوز أن يعبر هذا اليوم من دون أن نستفيد من معانيه اللاّهوتيّة والرّوحيّة العظيمة، وأن نسعى لنحيا الصّليب في حياتنا، ونتبع المسيح، ونتطابق معه مردّدين مع بولس الرّسول: "يسّرُني الآن ما أُعاني لأجلكم فأُتمَّ في جسدي ما نقص من شدائد المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة" (قول 1/ 24).

 

المونسنيور أنطوان مخايل  

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية