قدّاس الربّ يسوع قدّاسنا

 

 

قدّاس الربّ يسوع قدّاسنا

 

 

قدّاس الربّ يسوع قدّاسنا 

 

 إحتفل الربّ يسوع بقدّاسه الأوّل بعد قيامته من بين الأموات مع تلميذَي عمّاوس (لو24: 13-33) ، وعلى أساسه تكوّنت ليتورجيّة القدّاس بخدمتَيها: خدمة الكلمة وخدمة القربان.

في خدمة الكلمة، كان تلميذا عمّاوس في حالة إصغاء ليسوع يشرح لهما الكتب، وقد أُمسكت عيونهما عن معرفته. سار معهما في الطريق وراح يبدّد حزنهما ويشدّد عزيمتهما ويثبّت إيمانهما «بما جاء في الكتب»، وفي داخل كلّ منهما توق قلق لمعرفة حقيقة ما جرى ليسوع الناصري.

سمعاه يشرحُ الكتب ويطبّقها على الأحداث التي شغلت بالهما. ولشدّة تعلّقهما به وبكلامه وشرحه، ألحّا عليه بالمكوث معهما في ذاك المساء، وبدّل يأسهما إلى رجاء. ولمّا عرفاه عند كسر الخبز قال أحدهما للآخر: «أما كان قلبنا يحترق في صدرنا، حين حدّثنا في الطريق وشرح لنا الكتب المقدسة؟» (لو 24: 32).

سار معهما، شرحَ الكتب، أصغيا إليه، طمأن قلبيهما بلمسة الروح ... إنّها مفاعيل خدمة الكلمة في كلّ قدّاس.

في خدمة القربان،ألقى يسوع سلامه في قلبَيهما بتلبيته دعوة تلميذَيه ودخوله بيتهما، بعد أن دخل في صميم قلبَيهما، فكسر الخبز محوّلًا إيّاه إلى جسده وناولهما، مؤكّدًا حضوره الدائم. عندئذ عرفاه، فتوارى للحال عنهما، تاركًا في قلبَيهما شعلة الشّهادة له. فقاما للحال، وكأنّه أرسلهما، ورجعا إلى أورشليم بروح رسالي ليخبرا عن قيامته.

هبة السلام، كسر الخبز، حضوره الدائم معنا، احتجابه في القربان، شعلة القلب، والشهادة لقيامته... إنها مفاعيل خدمة القربان في كل قدّاس.

 

قدّاسنا وحدة متكاملة من بدايته حتّى نهايته، ولا يمكن أن يتجزّأ. إنّه خدمتان متكاملتان كما في قدّاس الرَّب. ليست مقبولة المشاركة المتجزأة، كأن يصل مؤمن أو مؤمنة أو كاهن بعد نهاية خدمة الكلمة ويشارك في المناولة، معتبرًا أن قدّاسه كامل. هذا غير مقبول لأنّ من ليس له الكلمة ليس له القربان. كلمة الرب هي «الباب الضيّق» (متى7: 13) للدخول إلى وليمة القربان. 

 

خدمة الكلمة

 خدمة الكلمة في قدّاسنا، كما في قدّاس الرب، تبدأ في توق القلب للقاء المسيح المعلّم والمخلّص، والرغبة في الاستنارة بكلامه، لكي نقرأ، على نورها، علامات حياتنا اليوميّة، فنثبت في الإيمان، ونتقوّى في الرجاء، ونشعل في قلوبنا المحبة. يُشار إلى هذه الاستنارة بشمعة الرسالة وشمعتَي الإنجيل، عملًا بقول صاحب المزامير: "كلمتك مصباح لخطاي ونور لسبيلي" (مز119: 105).

مع إعداد القرابين على المذبح الجانبيّ، نضع ذواتنا ومحبّتنا لله ولبعضنا البعض، وأعمالنا الصالحة وآلامنا وهمومنا، ونوايا صلاتنا. ومع الكاهن ندخل بيت الربّ، وننحني أمام عرش القدّوس، حاملين بعضنا بعضًا بالصلاة. ومعه نبدأ خدمة الكلمة، برسم إشارة الصليب، لمجد الآب والابن والروح القدس، ورفع صلاة اليوم الافتتاحيّة. 

بعد صلاة الافتتاح ننشد تسبحة الملائكة. لماذا تسبحة الملائكة في القداس وهي تسبحة ميلادية؟[49]. في القداس، نتأملّ في كلّ مرحلة من مراحل يسوع الخلاصية: ميلاده (تسبحة الملائكة) حياته العلنية وتجواله في القرى والمدن (زياح الانجيل) تعليمه وآياته (تلاوة الإنجيل والعظة) إرتماءه في بستان الزيتون وصلاته إلى الآب (ركوع الكاهن وصلاته: إستجبني يا رب)... إلقاء القبض عليه  وحمله الصليب إلى الجلجلة (نقل القرابين من المذبح الصغير إلى المذبح الكبير) موته وقيامته (كسر الخبز وإعادة جمع القسمَين معًا بعد نضحهما بالدّم) صعوده إلى السماء (رفع الجسد والدّم عاليًا) حلول الروح (بالمناولة) إرسال التلاميذ (بالبركة الختامية (إذهبوا...). بما أنّ ميلاده هو بدء حياته في الجسد، نبدأ القداس بعد صلاة الافتتاح بنشيد الميلاد.

في تلاوة صلاة الغفران المعروفة بالحسّاية المشتقّة من اللّفظة السريانيّة، نلتمس مغفرة خطايانا وخطايا الشعب كلّه، بعد التمجيد والشكر لعظمة الله القدّوس، والتشفّع لدى العذراء مريم وشفيع كنيسة الرعية والدَّير والقدِّيسين. ونلتمس الرّحمة الإلهيّة من المسيح ابن الله، هو الذي خلّصنا وافتدانا بتجسّده وموته وقيامته، هاتفين ثلاثًا: «قدُّوسٌ أنت يا الله، قدّوسٌ أنت أيّها القوي، قدّوس أنت يا من لا يموت! ارحمْنا». ونسأله مع الكاهن أن "يقدِّسَ افكارَنا وينقّي ضمائرنا لكي نصغي إلى كلامه"، ونقبله في قلوبنا ونعمل به.

وبمزمور القراءات الذي يحتوي تقديسات وتهاليل، نسمع كلام الله بإيمان حيّ في القراءتَين. فنضيء شمعة للأولى، وشمعتَين مع البخور للإنجيل الذي يزيَّح بنشيد هللويا، والشعب كلّه واقف بخشوع وتوق لسماع الربّ يتكلّم فيما الكاهن يقرأ ثمّ يجلس الشعب ويواصل إصغاءه للعظة التي تساعده على فهم الكلام الذي سمعه، وعلى كيفيّة تطبيقه في حياة كلّ واحد.

إن أخذ البركة من الكاهن المحتفل أو الأسقف، قبل تلاوة القراءتَين، فيرمز إلى السلطان الإلهي المُعطى لهما، وفي طليعته إعلان كلام الله، والمستمَدّ منهما. وتنتهي خدمة الكلمة بتلاوة قانون الإيمان وقوفًا.

 مع خدمة القربان نبلغ إلى قلب الاحتفال القرباني وذروته. هذه الخدمة معروفة بالنافور، أي التقدمة القربانيّة، ويتضمّن صلاة الشكر والتّمجيد للآب، وذكرى ذبيحة جسد المسيح، وحضور الربّ الفاعل فينا بقدرة كلمته وروحه القدوس، ووليمة جسده ودمه.

 

الانتقال إلى مذبح الربّ مع القرابين

قبل البدء بالنّافور يصعد المحتفل إلى مذبح الرب، وهو يقول: إنّي بكثرة نعمتك أتقدّم من مذبحك، أيّها الرب. ويطلب صلاة الشعب من أجله ومن أجل خدمته. إنّه الدخول إلى وليمة عرس الحمل والخروج في آن من منطق المكان والزمان. يدخل مع الجماعة ببهاء وفرح إلى العيد، فنرتفع نحو الحضور الإلهي الذي ينحني إلينا ليلاقينا حول المائدة. نتخلّى عن التفكير الدنيوي الأرضي لكي نعيش اللّحظة الإلهيّة والزمن المقدّس والحالة السماوية. فليتورجيّتنا على الأرض هي تذوّق مسبق لليتورجيّا السماء.

ثمّ نقل القرابين بزياح مهيب من المذبح الصّغير، حيث كان مهيّئًا، إلى المذبح الكبير حيث تجري ذبيحة الفداء. في كنيستنا المارونيّة، المذبح الصغير يمثِّل مدينة الناصرة حيث عاش الربّ يسوع حياته الخفيّة ؛ والمذبح الكبير يعني مدينة أورشليم حيث قدّم ذاته ذبيحة فداء وخلاص للعالم كلّه.  يضع المحتفل صينيّة الخبز وكأس الخمر، اللَّذَين سيتحوّلان إلى جسد الربّ ودمه، فوق الصّمدة على المذبح، التي ترمز إلى قبر يسوع، ويغطّيهما بالنافورَين الصغيرَين، كعلامة للحجر الذي وُضع على باب القبر.

 ثمّ يضمّ يدَيه بشكل صليب على الأسرار المقدّسة، لأنّه بصليب الربّ صار الخلاص للعالم ؛ ويتلو صلاة "لذكر ربنا" للدخول في ديناميّة الافخارستيا التي تنطلق من الحاضر الخلاصي، من الكنيسة التي تحتفل «هنا والآن»، مع شموليّة الماضي والمستقبل، في محوريّة الخلاص الذي حقّقه يسوع المسيح لأجل الجنس البشري. ويقدّم أخيرًا الطلب من أجل الأحياء والأموات.

 

التقدمة القربانيّة

يبدأ النافور، حسب أي من القدّيسين واضعي النوافير، برتبة السلام، عملًا بوصية الربّ يسوع: «إذا جئتَ بقربانك إلى المذبح، وتذكّرتَ هناك أن لأخيك عليك شيئًا، دعْ قربانك هناك، قدّام المذبح، وامضِ أوّلًا فصالحْ أخاك، وحينئذ تعالَ وقرِّبْ قربانك»(متى 5: 23-24).

نقرأ من أقوال أفراهات الحكيم الفارسي: «كيف يمكن أن نحتفل بذبيحة المسيح للمصالحة ومغفرة الخطايا، ونحن لا نعيشها فيما بيننا؟ من المُخجل حقًّا أن نقرّب قربان الغفران والمصالحة لله، ونحن لا نغفر إساءة الغير ولا نصالح! ألسنا نكذّب على الله عندما نقول: "أنا أغفر، ولكنّنا لا نغفر؟ ليس الله إنسانًا حتى نحمله على الكذب [51].".

المحتفل، باسم الشعب، يتصالح مع المسيح، فيعطي السلام للمذبح والأسرار المقدّسة، ومنها يوزّع سلام المسيح لمعاونيه المحيطين بالمذبح، وللجماعة المؤمنة، فيما الشّماس يدعو: «ليعطِ كلٌّ منّا السلام قريبَه بمحبة وأمانة ترضي الله». يُعطى السلام بجمع اليدَين، إشارة إلى شركة الوحدة والمحبة. 

 

  ثمّ تبدأ التقدمة القربانيّة بالبركة الثالوثيّة التي تفتتح تدبير الله الخلاصي: «محبّة الله الآب، ونعمةُ الابن الوحيد، وشركة وحلول الروح القدس تكون معكم إلى الأبد». تتبعها صلاة التمجيد القربانية، فنشيد "قدّوس".

ويبدأ عمل الله الثالوث بالصلاة التي تسبق كلام التّقديس: الآب بحبّه للبشر أرسل ابنه الوحيد يسوع المسيح الذي تجسّد وخلّصنا وافتدانا، وترك لنا ذكرى ذبيحة الفداء التي تتحقّق بكلام التقديس فيتحوّل الخبز إلى جسده المبذول من أجلنا، والخمر إلى دمه المهراق لمغفرة خطايانا، ليكونا لنا وليمته الفصحيّة للحياة الأبديّة.

نواصل ذكر مراحل حياة الفادي الإلهيّ وتدبيره الخلاصيّ من أجلنا، وصولًا إلى التماس حلول الروح القدس على الخبز والخمر لكي يكمّل الذبيحة «هنا والآن». فنصلي «لكي تكون هذه الأسرار المقدّسة لمغفرة الخطايا وشفاء النفس والجسد وتوطيد الضمير. فلا يهلك أحدٌ من شعبك المؤمن، بل أهّلنا أن نحيا بروحك، ونسير بالنقاوة ونرفع إليك المجد الآن وإلى الأبد» (نافور الرسل الاثني عشر). كل هذه الصلوات تُتلى معًا من الكاهن المحتفل والكهنة المشاركين.

 

 تشكِّل الصلاة القربانيّة وحدة لاهوتيّة متكاملة تبدأ في البركة الثالوثيّة: محبّة الله الآب...، وتنتهي بصلاة: يا قربانًا شهيًّا...، كلّها عمل الله الثالوث الواحد. إنّها، بكلّ أقسامها، «قدس أقداس» القدّاس. ترتكز بنيتُها على الثّالوث الأقدس.

إنّها صلاة تدبيريّة ؛ تحتفل بذكر تدبير الآب الذي يوصف من خلال أفعال افخارستيّة ترسم مراحل تاريخ التدبير الخلاصيّ إذ تبدأ بالخلق ؛ فالكنيسة تشكر الآب على "نعمة الخلق" و"نعمة الحياة" و"نعمة الخلاص" الذي رسمه بعد «سقطة آدم». ترسم الصلوات القربانيّة تَدَخّل الآب لخلاص البشر، وتدخّله في "ملء الزمن" عندما أرسل ابنه الوحيد "متجسّدًا من الرّوح القدس ومن مريم العذراء، فأتى ودبّر كلّ شيء لخلاصنا".

تتابع الصلاة القربانيّة وصف تدبير الابن لا سيّما من خلال «خبر العشاء» أو ما نسمّيه «كلام التقديس»، وفيه دعوة الربّ لنا: «خذوا كلوا منه جميعكم، هذا هو جسدي»، «خذوا اشربوا منه جميعكم، هذا هو دمي»، "إصنعوا هذا لذكري".

إنّها كلمة الربّ التي تعكس إرادته، وهي الكلمة مُعطية الحياة ؛ فمنها تخرج الحياة، وفيها القوّة التحويليّة للخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه. تتواصل وتتحقّق تقدمة الكنيسة في كلّ ذبيحة إفخارستيّة ما بين المجيء الأوّل والمجيء الثاني، لذا تسأل الجماعة الآب أن يرسل الروح القدس معزّيًا وبارقليطًا، متمِّمًا وخاتمًا. وتأتي تذكارات الأحياء والأموات لتجسّد حقيقة الكنيسة بأبنائها وبناتها المدعوّين في هذا اللقاء القربانيّ، ليُصبحوا أعضاء حيّة في جسد المسيح وشهودًا لقيامته[52].

 

التذكارات

  تشكّل التذكارات جزءًا أساسيًّا من الصلاة القربانيّة، لأنّها «تذكر» الكنيسة برعاتها ومؤمنيها، أحيائِها وأمواتها بروح الشركة، بعد «ذكر» تدبير الآب والابن والرُّوح القدس الخلاصيّ. تستهلّ التذكارات بفعل "نقرّب"، كإمتداد لحدث التقدمة القربانيّة[53]، وفي مطلع كلّ نيّة بكلمة "نذكر يا ربّ" أو "من أجل"، كصدى «للذّكر» الذي تحتفل به الكنيسة. تتميّز صِيَغ التذكارات بمنطق أدبيّ ولاهوتيّ منسجم. فيجب عند إضافة تذكارات أخرى في بعض المناسبات المحافظة على الإنسجام مع مجمل الصَّلاة القربانيّة.

تتميّز التذكارات بأبعاد متنوّعة: البُعد اللّاهوتيّ هو الشّركة: "مَن طلبوا أن نذكرهم ومَن راموا أن يقدِّموا وما استطاعوا"، "الإخوة القائمين معنا والغائبين". البعد الانساني: "من أجل بركة السنة وخصب الأثمار"، "المرضى والأسرى"، "من أجل البعيدين والقريبين".

البُعد الإسكاتولوجي والكنسي: هو ظاهر في التعاقب الرسولي واستمراريته في الكنيسة إنطلاقًا من الإحتفال الإفخارستيّ: «من أجل الذين انفصلوا عنّا وانتقلوا إليك وقد اعتمدوا باسمك وتناولوا جسد ابنك ودمه الثمين منذ التلمذة المسيحيّة الأولى حتّى يومنا» ؛ وفي الوحدة بين الأسقف والكنيسة والإفخارستيا: "من أجل المعلِّمين الحقيقيِّين الذين رقدوا على الايمان الحقّ، لاسيّما بطرس وبولس ومرقس...  هؤلاء الذين احتملوا من أجل ثبات بيعتك كلَّ عذاب واضطهاد" ؛ وفي الإرتباط بين ليتورجيّا السماء وليتورجيّا الأرض، نقرأ:  "أذكرْ يا ربّ في هذا الوقت على مذبحك السماويّ وعلى هذا المذبح".

 

كسر القربانة والرسم والنضح والمزج والرفعة

 هذه الأعمال الخمسة تشكّل رتبة واحدة، يمكن تسميتها "سرّ الأسرار"، لأنّها تهدف مجتمعة إلى التعبير عن موت الربّ على الصَّليب ودفنه وتقدمته للآب وقيامته وصعوده إلى السماء. إنّ لكل عمل ميزته ومعناه.

يرمز كسر القربان إلى الصَّلب والموت، ورسم الكأس بجزء من القربان إلى تقديس الدّم المُحيي، ونضح الجسد بغمسة في الدّم إلى إعطاء الحياة المرموز إليها بالدّم، ومزج الجسد بالدّم إلى توحيد جسد المسيح ودمه، ورفعة الكأس والجسد إلى قيامة الربّ وصعوده إلى السماء وإلى إكمال سرّ الفداء[54]

 

الصلاة الربّية

 في نافور «شَرَرْ» المنسوب للقدّيس بطرس هامة الرّسل، تأكيد على أنَّ الربّ يسوع أوصى تلاميذه أن يتلوا صلاة الأبانا كلّما اجتمعوا لتقديس جسده. ومِن الرُّسُلِ أركان الكنيسة، تسلّمت جميع الكنائس هذه الوصيّة، فأصبحت تُتلى، في جميع اللّيتورجيّات، بعد تقديس الأسرار[55]. إنّها صلاة توبة تطهِّر القلب من الخطايا، وصلاة سلام نلتمسه من المخلِّص الذي يمنحه لأحبّائه قبل المناولة. فالسلام نعمة وبركة من الربّ الفادي. كلّ هذه المعاني تظهر في الصَّلاة الأولى، بعد الأبانا، وتليها تحيّة سلام من الكاهن، ومن الصَّلاة الثالثة التي يختمها ببركة الثّالوث الأقدس، فتنحني الجماعة لقبولها انحناءة الأبناء للآب السماوي الواحد.

ثمّ تأتي الدعوة للّذين هم في حالة سلام مع الله والأخوة، وفي حالة نعمة وبركة، إلى تناول جسد الربّ ودمه: "الأقداس للقدّيسين"... فيُجيب المؤمنون: آبٌ واحدٌ قدّوس، ابنٌ واحد قدّوس، روحٌ واحد قدّوس، بمعنى: إذا كانت الأقداس -  أي جسد الربّ ودمه - تُعطى لنا، وسُمّينا قدّيسين، فهذا ليس إلّا عطيّة حبّ مجّانيّة من الذي وحده القدّوس، ومنه تنبع كلّ قداسة[56].

 

المناولة

  تناول جسد الربّ ودمه يُدعى بالسريانيّة "شوتوفوتو" أي الشّركة مع المسيح الربّ.  فعندما قدّس يسوع الخبز وكسره، أعطى الرّسل الأطهار، قائلًا: «خذوا كلوا منه كلّكم. هذا هو جسدي». وهكذا فعل على الخمر، قائلًا: «خذوا اشربوا منه كلّكم. هذه كأس دمي للعهد الجديد». وهكذا ترك للكنيسة مثالًا لتوزيع جسده ودمه على أبناء وبنات الإيمان.

قبل المناولة، يتلو المحتفل والجماعة صلاة «الشركة «:"أهّلنا أيّها الربّ الإله أن تتقدّس أجسادنا بجسدك القدّوس، وتتنقّى نفوسنا بدمك الغفور. وليكُن تناولنا لمغفرة خطايانا وللحياة الأبديّة، يا ربّنا وإلهنا لك المجد إلى الأبد". إنّها مناولة الجماعة: إثنان حول الكاهن يحملان شمعتين مُضاءتين احترامًا لجسد الرّبّ ودمه، هو الحاضر معنا وفينا، يُنيرنا بكلام الحياة، ويُقدّسنا بحلوله في قلوبنا ؛ وشخص ثالث يحمل صينيّة لئلا يسقط شيء على الأرض من الجواهر المقدّسة[57].  أدعو الجميع إلى الالتزام بالمناولة تحت الشكلَين، وبعدم إعطائها في اليد ولو تحت الشكل الواحد.

وتشمل "الشَّركة" الموتى المؤمنين، فيتلو الشّعب أثناء وبعد المناولة نشيد:

خُذ منّا هذا القربان-  إقبَل ربّنا الحنّان

موتانا بني الإيمان-  أنعم بالعذب الرّضوان

إنّ الاحتفال بذبيحة القربان موجّه كلّه إلى اتّحاد المؤمنين اتحادًا عميقًا وعضويًّا بالمسيح بواسطة المناولة. هذا الاتحاد يُسمّى «شركة». فالمسيح الرّبّ قدّم ذاته من أجلنا لكي يُدخلنا في هذه الشّركة التي تنبع منه لكي تتّسع وتُصبح شركة وحدة ومحبّة وتضامن مع جميع النّاس. بالمناولة تسري الحياة الجديدة فينا، وتمتدّ إلى كامل أعضاء جسد المسيح، جماعة المؤمنين، مثل الماويّة التي تنطلق من الجذع وتمتدّ إلى أغصان الكرمة (راجع يو 15: 5-8).

وهكذا المناولة تصنع الكنيسة، وتُشدّد أواصر وحدة جسد المسيح السرّي ؛ وتفتح القلوب على محبّة الفقراء والمُعوَزين ؛ وتُعطي عربون المجد الأبدي. ولهذا تهتف الكنيسة باستمرار «مارانا تا – يا ربَّنا تعال» (1كور 16:22) «تعال أيّها الرّبّ يسوع» (رؤيا22: 20)[58].

 

الشكر

 تتواصل الصَّلاة القربانيّة بصلاة الشّكر، وهذا معنى كلمة إفخارستيّا. وهي تسبيح وتبريك لأعمال الله: الخلق والفداء والتّقديس. الشّكر لله، ككلّ شكر، يُسِرّ الشخص الموجَّه إليه. يوصينا بولس الرسول: «أشكروا على كلّ شيء. هذه هي مشيئة الله في المسيح يسوع» (أف 5/18). يجدر أن نشكر الله في نهاية القدّاس: على كلام الحياة الذي سمعناه في الإنجيل، وعلى تقديس الأسرار التي نلنا منها المغفرة لخطايانا، وعلى المناولة التي أعطتنا جسده ودمه للحياة الأبديّة.

صلاة شكر وبركة: الأولى موجَّهة إلى الآب على محبّته اللّامتناهية، والثانية إلى الابن على ذبيحة ذاته لخلاصنا وعطيّة جسده ودمه لغذاء نفوسنا، وبواسطة الآب والابن إلى الروح القدس، لأنّه محبةُ الله المسكوبة في قلوبنا، ومحقّق ثمار الفداء والبركة في مؤمنيه. يتخلّل الاثنتين عطيّة السلام من الكاهن، لكي يحظى المؤمنون بابتهاج الرُّوح، لأنّ المسيح حاضرٌ دائمًا في حياتهم[59].

 

البركة - الإرسال

 بعد أنْ بارك يسوع الخبز وكسره وناول تلميذَيّ عمّاوس، عرفاه هو الذي كان غريبًا عليهما، وللحال توارى عن أعينهما. فاشتعلت المحبّة الرسوليّة في قلبيهما وقاما للحال ورجعا إلى أورشليم، ليعلنا خبر قيامته، وكيف تراءى لهما في الطريق وعرفاه عند كسر الخبز (راجع لو 24: 30-35).

إنّ لفظة «إذهبوا بسلام مع الزاد والبركات التي نلتموها من مذبح الربّ الغافر، ببركة الآب والابن والروح القدس» التي يتلوها الكاهن في ختام القدّاس الإلهيّ، هي، في الحقيقة، صيغة إرسال لعيش ذبيحة القدّاس في العائلة والمجتمع والدّولة.

 

إنّ كلمة "قداس"، وهي في اللّاتينية  Missiaمشتقّة من Missio، ومنها Messe بالفرنسيّة، وMass   بالانكليزيّة، تعني "الإرسال".

صار القدّاس في الكنيسة بمثابة القلب من الجسد، وشعلة الرّوح هي الحبّ. بهذا القلب وهذا الحب أعلنَ الرُّسل الإنجيل بغيرة فائقة، وتجرّأ الشهداء على إراقة دمائهم، وتفانى الكهنة في خدمتهم، والرّهبان والرّاهبات في تكريس ذواتهم، والمؤمنون العلمانيّون من عيش معموديتهم.

سرّ الإفخارستيا هو هذا "القلب" وهذا "الحب". ليس سرّ القربان فقط وجود الربّ يسوع الدائم في الكنيسة، بل هو دائمًا العبور من يسوع الإنسان إلى كلّ إنسان. الاحتفال بالقدّاس الإلهي هو هذا العبور:  أن يصبح كلّ واحد منّا قربانًا، له قلب وحبّ من أجل الكنيسة.

بركة الإرسال هي أن يذهب كلّ واحد منّا إلى موقع حياته وحالته ومسؤولياته، ويعيش قدّاسه الشخصي، امتدادًا لمحبة المسيح العظمى التي جعلته ذبيحة فداء وغفران ومصالحة، وهبة ذات قربانيّة لحياة العالم.

 

الخاتمة

 ليتورجيّتنا هي بحق ليتورجيّة الكنز الحيّ الذي به تغتني كنيستنا بجميع أبنائها وبناتها ومؤسّساتها، وتُغني مجتمعاتها باختباراتها الرّوحيّة والانسانيّة .  فالكنز الحيّ هو تدبير الله الخلاصيّ الذي يُدخلنا في ديناميّة الثالوث القدّوس، مع بُعدٍ مثلّث: كريستولوجيّ واسكاتولوجيّ ومريميّ، مُعبَّر عنه في روحانيّة أنطاكيّة، سريانيّة ونسكيّة، محورها الكتاب المقدّس. ليتورجيّة الكنز الحيّ تكوّن هويّتنا المارونيّة ورسالتنا في قلب كنيسة المسيح، الواحدة الجامعة المقدّسة الرّسوليّة، وتساعدنا على الإسهام في تكوين ثقافتنا وحضارتنا الوطنيّة، وثقافات أوطاننا في الشرق الأوسط والنطاق البطريركي، وفي بلدان الانتشار، كما تشدّ أواصر الوحدة في كنيستنا المارونيّة المتأصّلة في الوطن الأمّ لبنان، وفي هذا الشّرق، والمنتشرة كأغصان الأرز في كلّ بقاع العالم. 

لقد شكّل الاختبار الليتورجيّ عند الموارنة أهميّة محوريّة، فنمت فيه الحياة الكنسيّة وتطوّرت بكلّ أبعادها الروحيّة والراعويّة والرساليّة، وتجسّدت في نشاطاتها الثقافيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة. 

حاجات عصرنا الملحّة، والتّطوّرات العلميّة والتّقنيّة المتنوّعة، مع كلّ مؤثّراتها على حياة الإنسان والشعوب ؛ تقتضي منّا إيجاد مكاننا ودورنا فيها، إنطلاقًا من هويّتنا التي لا تتبدّل، ورسالتنا التي تتنوّع وتنبسط لتطال المساحات الجديدة في عالمنا المتطوّر والمتزايدة حاجاتُه. وتبقى لنا في كلّ ذلك ليتورجيّة الكنز الحيّ الينبوع والغاية.

 

 

 

البطريرك – الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي

 

 

المركز الدائم للتنشئة المسيحية macro-max rebound mazar
CMS x