"كونوا أنتم أيضًا مستعدِّين"

 

 

 

"كونوا أنتم أيضًا مستعدِّين"

 

كما ينتظر الحبيب حبيبه متى يأتي إليه، وكما ينتظر الخادم رجوع سيِّده ليُهيِّئ له الطعام، على المؤمن أن ينتظر الربَّ بهذا الشوق العظيم إلى لقاء الحبيب.

 

كيف يكون الاستعداد؟

 

1- روحيًّا: بالصلاة المُستدامة: "صلّوا في كلَّ حين"، "صلّوا ولا تملّوا". والصلاة هي لقاءٌ بالله وحوارٌ معه. هي انفتاحٌ على نِعَمِ الله الذي أخذ المبادرة ودعاني وينتظر منّي الجواب. فالصلاة دعوةٌ واستجابة، دعوةٌ من الله واستجابةٌ من الإنسان. كلّما صلّيتُ أستجيبُ لنداء الله عندئذٍ تكون صلاتي مقبولة. والله يدعوني دومًا ولكنَّني كثيرًا ما أصمُّ أذنيَّ عن سماع ندائه. لذلك يدعونا باستمرار أن "كونوا مستعدّين". تجلّت صلاة القدّيس أنطونيوس البادوانيّ في حياته إذ كان يقضي أوقاتًا طويلةً في الاختلاءِ بربِّه تجلّت بشكلٍ خاصٍّ في أواخر حياته عندما صُنع له عرزالٌ يقضي فيه معظم أوقاته في الصلاة، وعندما ظهر له الطفل الإلهيُّ بين يديه يعانقه معانقة الابن لأبيه.

 

- بالصوم المقبول عند الله: والصومُ الحقيقيُّ هو أيضًا استجابةٌ لنداء الله، عندما يقول له: "إذا صُمتَ فلا تعبِّس كالمُرائين...". فالصومُ المقبولُ هو تتميمٌ لمشيئةِ الله، والابتعاد عن الشرِّ والخطيئة، والانغلاقِ عن الإثم، والانفتاح إلى ما هو مرضيٌّ لله، واكتشافٌ لإرادةِ الله. من خلالِ سيرة القدِّيس فرنسيس وفرائضِه نكتشفُ أهميَّة الصوم عند الإخوة الأصاغر (رهبنة مار فرنسيس). والقدِّيس أنطونيوس البادواني كان مُطيعًا للفرائض الرُّهبانيّة، يعمل بها كما لو أنّها مُنزلةٌ من عند الله.

 

 

2- عمليًّا: بالصدقة الخفيَّة: "إن تصدَّقتَ لا تدع شِمالُكَ تعلم ما صنعت يمينُكَ". إذا صنعتَ صدقةً أمامَ كُلِّ الناس فقد نِلتَ أجرتَكَ، كما يقولُ الربُّ. عندما ننظُرُ إلى المُحتاج نظرتَنا إلى المسيح تكون صدقتنا نابعةً من القلب وتدخلُ إلى القلب: "كلَّ ما صنعتم لأحد إخوتي هؤلاء الصِّغار لي صنعتموه". عندما كان القدِّيس أنطونيوس البادواني بوَّابًا في دير الصليب التابع للرهبان الأوغسطينيِّين، كان يستقبل الفقراء ويُطعمهم، كما استقبل رهبان مار فرنسيس الحُفاة، واستضافهم قبل أن يمضوا إلى المغرب العربيِّ ويَستشهدوا، ومن مَثَلِهم انتقل ليصيرَ راهبًا فرنسيسكانيًّا.

 

- بالتوبة والرجوع إلى الله: التوبة هي السير عكس التيَّار. هي العودة إلى حياةٍ مع الربِّ منزَّهةً عن العيب. العادات والتقاليد تُكبِّلنا وتبعدنا عن الرّوح المسيحيَّة الحقّة. بالتوبة نعود إلى أصالتنا كأبناء أحبَّاء لله. دعا فرنسيس رهبنته في بدء انطلاقتها بإخوة التوبة. عاش أنطونيوس البادوانيُّ في توبةٍ دائمةٍ إلى الله. فالذي يسعى إلى القداسة، يشعر أنَّ أقلَّ هفوةٍ يجب أن يتوب عليها لئلاّ تجرح محبَّة الله.

 

- بالتبشير بالكلمة وحملها إلى الآخرين: بالمثل الصالح والعمل المسيحيِّ الدّؤوب، بمسامحة المذنب وتقديم الاعتذار في حال الخطأ، بالتواضع وعيش المحبَّة... لم يكتفِ القدّيس أنطونيوس البادواني بالتبشير بالكلمة أينما مضى، وردَّ الهراطقة إلى الإيمان الصحيح، بل كان المثل الذي يُحتذى به، بالحشمة والكلام الرّصين والمُتَّزن، بالطاعة والتواضع والامِّحاء والبساطة حتّى إنّه استطاع أن يكلّم الحيوانات بكلِّ محبَّة وتستمع إليه بكلِّ فرح. يكفي أنَّ الله أبقى على لسانه حيًّا بعد هذه السنوات الطويلة على انتقاله السعيد إلى السماء، ليبقى شاهدًا لحبِّه للربِّ وللإنسان.

 

 

الخوري أنطوان الدويهي

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية