لعازر والغنيّ

 

 

 

لعازر والغنيّ

 

يتوجَّه يسوع بكلامه للفرِّيسيِّين "محبّي المال" (لو 16/ 14)، الذين يتهكّمون على يسوع ولا يبالون بكلامه، فبدأ يُظهر لهم الفرق بين نظرة الإنسان الذي يعطي الأهميَّة لمن هو أقوى إقتصاديًّا ونظرة الله الذي ينظر إلى الإنسان كقيمةٍ مُطلقة، بصرف النظر عن ممتلكاته (لو 16/ 15). وفي مثل لعازر والغنيّ يكمِّل لوقا هذه الفكرة ليُظهر الفرق بين النظرتين: الإنسانيَّة والإلهيَّة. الغنيُّ لا اسم له (حرفيًّا: رجلٍ ما غنيّ)، وعدم إعطائه إسمًا بعكس لعازر. الفقير يشير مباشرةً إلى أنَّ هذا الذي كان مهمًّا جدًّا في حياته أضحى من دون إسم، ومن دونِ هويَّة، فالهويَّة أمام الله تحدِّدها أعمال المرء في حياته. النصُّ لا يظهر لنا بالمقابل أنَّ لعازر الفقير كان تقيًّا أو محبًّا، كُلُّ ما يقوله النصّ هو أنَّه كان فقيرًا ومتألّمًا. إنّما إعطاؤه اسمًا يرشدنا إلى سبب خلاصه. لعازر يعني "الله يساعد"، وفي الكتاب المقدّس الإسم يشير إلى الهويَّة، من خلال اسمه يقول القدِّيس لوقا إنَّ الفقير كان متّكلاً على مساعدة الله وراجيًّا له، بعكس الغنيّ الذي كان "يتنعَّم" بالخيور المادِّيَّة من دون الاهتمام بواجب الرحمة. ملقًى على بابه: استعمال الفعل اليونانيِّ بصيغة المجهول تشير إلى عدم قدرةِ لعازر على اختيار المكان الذي يريد أن يكون فيه بل هو متعلّقٌ تمامًا برحمة الآخرين. والمكوث على باب رجل غنيّ كان مكانًا منطقيًّا يُلقى فيه رجل متسوِّل، أمَّا خطيئة الغنيّ هي عدم اكتراثه به على رغم من الإنفاق الكبير على أمورٍ أخرى غير أساسيَّةٍ لحياته. كان يشتهي فتات الخبز... أمَّا الكلاب فكانت تأتي لتلحس قروحه: هذه الآية هي بغاية القسوة تُظهر الشرَّ الذي ينتج عن الغنى، فالفقير لا عزاء له، يشتهي بقايا أخيه الإنسان ولا يحصل عليها، أمَّا الإشارة إلى أنَّ الكلاب كانت تأتي لتلحس قروح الفقير فتتَّجه ضدَّ الغنيِّ: لا فرق بين تصرُّف الغنيِّ غير المُبالي وعمل الكلاب التي تفتِّشُ فقط عن صالحها: انتفى كُلُّ رابطٍ إنسانيٍّ بين الغنيِّ والفقير والمتألّم، لا بل إنَّ الكلاب على قسوة عملها لمست جراح الفقير: إنحدر الغنيُّ في مستوى الكائن البشريّ. موت الإثنين يعكس فارقـًا معبِّرًا: فالفقير المتَّكِل على الله حملته الملائكة إلى حضن إبراهيم، إشارةً إلى ميراثه، وعود الله التي أعطيَتْ لإبراهيم كبير الآباء: بكَ تتبارك كلُّ شعوب الأرض، أمَّا الغنيُّ فأودع في قبرٍ، انتهى وجوده في ظلام مقبرةٍ مقفلة.

 

 

إنقلاب الأدوار يستمرُّ من خلال طلب الغنيِّ قطرة ماءٍ من طرف إصبع لعازر، هي عودةٌ لغويَّةٌ للتذكير برغبة لعازر بفتات الخبز المتبقيَّة من مأدبة الغنيّ. كما أنَّ الهوَّة التي تفصلهما تردُّنا إلى الباب الذي أقفله الغنيُّ عمليًّا في وجه لعازر. هذه الهوَّة كان على الغنيِّ ردمها في حياته من خلال عمل الرحمة. الغنيُّ يطلب معجزةً ليجعل إخوته يتوبون، والربُّ يُحيله إلى موسى والأنبياء: "موسى" هو تقليديًّا كاتب الأسفار الخمسة، وفيها نقرأ "إذا كان عندك فقيرٌ من إخوتك... فلا تُقسِّ قلبك، ولا تقبض يدك عن أخيك الفقير، بل إفتح له يدك وأعطِهِ ما يحتاج إليه" (تث 15/ 3). أمَّا الأنبياء فأنّبوا وحذّروا من إهمال الفقير واليتيم والأرملة. إخوة الغنيِّ، كلُّ يهوديٍّ، قرأوا الكتاب وعلّموا ما يجب عمله ولا داع لأعجوبة. فالإيمان لا يحتاج إلى براهين حسِّيَّة ولا يُبنى على الخوف من الأموات، بل على قناعةٍ ودرايةٍ بالكتب المقدَّسة. وقيامة المسيح لن تقنع الذين أغلقوا قلوبهم عن الإيمان، لذلك يدعو لوقا الجماعة الكنسيَّة الأولى إلى التعرُّف أكثر على الكتاب المقدَّس لعملوا إرادة الربّ.

 

 

الأب جوزف عبد الساتر

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية