لقاء المسيح بنيقوديموس

 

 

لقاء المسيح بنيقوديموس

 

لقاءُ المسيح بنيقوديموس يتمُّ في الليل. إنْ كان اللقاء مع المسيح في الغد، أي ظاهرًا، أو في الليل، أي مخفيًّا، فالمسيحُ حاضِرٌ دائمًا للقائِنا وللحوارِ معنا ليخلقنا من جديد. نيقوديموس في كونِه رئيسًا لليهود ومعلّمًا في الشريعةِ الموسويَّة هو قادرٌ على تمييز عمل الله من عمل الشيطان، لذلكَ هو يشهد بأنَّ أعمالَ المسيح وتعاليمه هي من عند الله، وهي معلنةٌ وظاهرةٌ عبر تاريخ الخلاص، وفي عمل الله منذ القديم مع شعبه. هذا ما رآهُ نيقوديموس في تعليم يسوع وعمله؛ إنَّه معلّمٌ بأسلوبٍ جديد.

 

أراد المسيح في الولادة الجديدة وضعَ أساسٍ لرؤيةِ الملكوت، مُظهـِرًا في الوقتِ عينه محدوديَّة الشريعة التي تربط المؤمن بالحدث الذي يتمُّ فقط؛ فلا يكفي تمييز عمل الله الذي تمَّ في الماضي أو يتمُّ في الحاضر لقراءة عمل الله، بل يجب على المؤمن أن يعبُرَ من خلال الحدث الخلاصيِّ إلى الغايَةِ من حدوثه، إلى أرض الميعاد، إلى رؤيةِ الله نفسه.

 

فنيقوديموس لم يرَ في يسوع سوى أعمال الله ولم يرَ اللهَ فيه.

 

يأتي سؤال نيقوديموس للإستيضاح والاستغراب، في كيفيَّة إتمام هذا، معتمدًا على الحالة الطبيعيَّة للولادة الجسديَّة، وكأنَّ ولادة الإنسان الطبيعيَّة لا تحتاج إلى قدرة الله.

 

جواب المسيح عن الولادة الجديدة من الماء والروح هو تعبيرٌ ظاهريٌّ لعمل الروح الخفيّ. الماء هو العنصر المطواع والمتحوِّل بفعل الحرارة، وفي الوقت عينه المتجبِّر عند كثافته؛ فهو يشبه الإنسان المتواضع والنادم الذي يتحوَّل بفعل الروح على الرغم من كثافة ماضيه وخطيئته. والروح هو الروح القدس المعزّي، نار الحبِّ الإلهيِّ الذي يخلق ويجدِّد وجه الأرض. فبالماء والروح يتكوَّن الإنسان الجديد الذي يتجدَّد دائمًا، ليس هذا وحسب، بل ويجدِّد أيضًا وجه الأرض كلّه التي فقدها بسبب الخطيئة، عبرَ المصالحة العامَّة مع الكون، "فملعونة الأرض بسببك"، (تك 3/ 17).

 

تضعنا الولادة الجديدة، المعموديَّة، في مسيرة حبٍّ وعلاقةٍ شخصيَّةٍ مع المسيح والملكوت، في مسيرة تغييرٍ جذريٍّ في التفكير والكيان. هي بطولةٌ في نزع التشوُّهات التي ورثناها منذ طفولتنا في النفس والفكر والقلب والإيمان، فلا تكفينا العودة كأطفالٍ، بل تعوزنا ولادةٌ جديدة. لا يكفينا أن نندم ونعترف بخطيئتنا تاركين الافتخار والتباهي بالبطولات الغرائزيَّة، والشهوانيَّة، والإغوائيَّة، والكرامات، والأنانيَّة، وحبِّ الأرضيَّات، بل يجب ألاَّ نجعلها أبوابًا ونوافذ يستغلّها الشيطان ليعود مع سبعةٍ أكثر شرًّا منه.

 

 فالمعموديَّة إذا هي أن أبادلَ المسيحَ حبَّهُ الذي أتمَّه على الصليب، وبه صالحني مع ذاتي ومع الله.

 

علَّني أبلغُ في معموديَّتي حبًّا أجود به كما المسيح جاد.

 

الأب شربل أبي مطر

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية