للصَّيد مواسم

 

 

 

للصَّيد مواسم

 

لم يوفَّق التَّلاميذ بصيدهم في تلك اللَّيلة القاسية، ولكنَّ الغريب أنَّ ذلك لم يُشكِّل لهم أزمة، ولا طرحَ لديهم أسئلة! إنطلقوا باكرًا إلى الصَّيد واستعملوا كلَّ مهاراتهم وتعبوا... وعندما لم يصيبوا شيئًا، بكثير من الواقعيَّة لم يُبدوا أيَّة خيبة يائسة، فالصيَّاد يعرف أنَّ للصَّيد مواسم، وأنَّ بعض اللَّيالي قد تكون بلا ثمر.

 

أمَّا يسوع، فلا! لا يرضى أن يعودوا من صيدهم وشباكهم فارغة، وهم رسل الحيِّ القائم من الموت. يسوع يتحرَّك لحاجات الرّسل ولفشلهم ولفراغهم.

 

الإستسلام للفشل والرّضوخ للأمر الواقع - وهو موقف الرّسل قبل ظهور يسوع لهم - قد يخفي في طيَّاته ما هو أدهى وأصعب، ألا وهو عدم اللّجوء إلى الحيِّ القائم من الموت وطلب معونته في الحالات الصَّعبة: لا يكفي ألاَّ نيأس أمام الصِّعاب، بل علينا المبادرة صوب ينبوع الحياة لنستقي منه. لا يكفي ألاَّ نرزح تحت ثقل الصَّليب، بل يدعونا الحيُّ المنتصر على الموت إلى أن نلتجئ إليه كي يُفجِّر في كلِّ لحظة قبور خنوعنا، ويدحرج صخورنا الثّقيلة.

 

قلب الإنسان، من دون اللّجوء في كلِّ لحظة إلى الله، سيظلُّ قلقًا مضطربًا، ولن يرتاح، على حدِّ قول القدِّيس أوغسطين، إلاَّ في الله. يُعلِّمنا يسوع إذًا أنَّ التَّسليم لمشيئته لا يكون بالإنسحاب السَّلبيِّ والترقُّب، بل بتفاعل القلب الحيِّ الواعي مع نعمة الإله الذي يعضد ضعفنا دون أن يلغينا، والذي يكثر جنانا، ولكن من تعب أيدينا، والذي يفيض الخير في سفينتنا، ولكن إذا نحن أطعنا كلمته ورَمَينا الشِّباك. لا يريد الله أتباعًا بل شركاء، لأنَّ نعمته لا تلغي إنسانيَّتنا بل ترفعها وتؤلِّهها. وهنا التنبُّه من خطرَين شديدَين في حياتنا الرُّوحيَّة: الأوَّل كثرة الإتِّكال على قدرة الإنسان الشَّخصيَّة ومهاراته، ونسيان دور الله ونعمته. وكأنَّ بعض الأشخاص يظنُّون أنَّ كثرة أعمالهم تجعلهم مفضلين على الله! أو أنَّ نذورنا ونشاطاتنا وأعمالنا الكثيرة التي نقدِّمها لله هي ثمنٌ يلزمه تجاهنا. (والحال أنَّ الله حرٌّ يحبُّ دون أن ينتظر مقابلاً).

 

والخطر الثاني لا يقلُّ عن الأوَّل، يطال عادة المؤمنين الذين يتَّكلون على نعمة الله، ولكنَّهم يفرطون في الإنسحاب قائلين: الله هو الذي يعمل في حياتي! أنا مؤمن بنعمته ومتَّكل على تدخّله غير المرتبط بأعمالي! (والحال أنَّ الله لا يقتحم حرِّيَّتي ولا يلغي دوري في مسيرة قداستي). والحقيقة أنَّ القداسة "مشروع مشترك" بيني وبين الله؛ أخوضه أنا بكلِّ جوارحي وبكلِّ ما أُوتيتُ من القوى، ولكن كلِّي إيمان أنَّ مَن سيُفعِّل عملي ويجعله يُثمر إنَّما هي نعمة الله التي أتجاوب معها، وكلمته التي أطيعها.

 

ما أفاض الصَّيد في سفينة الرّسل اليوم، ليست كلمة الربِّ وحدها، ولا رمية الشِّباك التي قام بها الرّسل وحدهم، إنَّما تفاعل الرّسل بكلِّ قواهم مع كلمة الربِّ الحيَّة الخلاَّقة التي تعطي لكلِّ نشاطٍ بشريٍّ دفعًا إلهيًّا.

 

صلاتنا، في هذا الأحد المخصَّص للصَّلاة من أجل الدّعوات الكهنوتيَّة والرّهبانيَّة في الكنيسة، أن تعي شبيبتنا أهميَّة التّفاعل مع كلمة الله والطّاعة لها، فيلبُّوا بسخاء دعوة الربّ الذي يرغب كلَّ لحظة في أن يفيض الخير في سفنهم، والحبُّ في قلوبهم. وليعطنا الله دومًا خدَّامًا صالحين لمجد اسمه ولبنيان كنيسته. آمين.    

 

 

حياتنا اللِّيتورجيَّا - زمن القيامة 2019

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية