"لن أؤمن ما لم أرَ.."

 

"لن أؤمن ما لم أرَ.."

 

حين ظهر المسيح القائم من بين الأموات مساء أحد القيامة للرُّسل، وغَمَرَهم مرآه بالفرح، ونفخَ فيهم حياةً جديدةً بقوَّة الرُّوح القدس، لم يَكُن معهم الرَّسول توما. فقالوا له: رأينا الربَّ. فأجابَهم قائلاً: "لن أؤمن ما لم أرَ موضع المسامير في يديه، وأضع إصبعي فيهما، ويدي في جنبه" (يو 20/ 25).

 

كيف يمكننا أن نفهم هذا الموقف المشكِّك بقيامة المسيح لرسولٍ مثل توما، الذي ترك كلَّ شيءٍ وتبع يسوع وعاشره واختبره طوال ثلاث سنوات؟ ظنَّ توما أوَّلاً أنَّ الرُّسل رأوا المسيح كما رأى إبراهيم وموسى وإيليَّا الله، رؤية روحيَّة. فشكَّ بهذه الرّؤيا، التي يُمكن أن تكون ضربًا من الوهم، وأكَّد لهم أنَّ ما يهمُّه هو أن يرى ويلمس يسوع الإنسان الذي إختبره، يسوع الذي من لحم ودم، والذي جُلد وصلب ومات. رغبة توما هذه ليست بغريبة عن طبعه، فهو الذي سأل يسوع حين قال عن نفسه أنا الطريق إلى الآب: لا نعلَم إلى أين تذهب، يا ربُّ، فكيف يسعنا أن نعلم الطريق؟" (يو 14/ 5) ولمَّا شرح لهم، آمن به بأنَّه الطريق والحقُّ والحياة، ولذلك لا يريد أن يفقده. وتوق توما للذَّهابِ إلى المنتهى، ليس بغريب عن شخصه هو الذي أعلن أمام التّلاميذ حين كلَّمَهم يسوع عن موت لعازر فقال: "سيروا بنا أيضًا فنموت معه" (يو 11/ 16)، لذلك أرادَ أن يذهب إلى العمق في إيمانه، إلى الرّؤيا.

 

ولو سأل كلُّ واحدٍ منَّا نفسه، حتَّى وإن كان يؤمن من دون أن يرى بأنَّ يسوع هو الطريق والحقُّ والحياة، أليس لديه الرَّغبة والتَّوق ليلمس إنسانيَّة يسوع الحقَّة، إنسانيَّته المصلوبة والقائمة من بين الأموات، ويصرخ مثل توما: ربِّي وإلهي. ويسوع القادر أن يُريَ ذاته بإنسانيَّته الممجَّدة، لن يبخل على أيٍّ منَّا كما لم يبخل على توما بمعاينته، مُحقِّقًا رغبة قلبنا، لنصير مؤمنين بحقٍّ، لا غير مؤمنين.

 

فالعلامة الأهمُّ لحضوره الحيِّ بيننا هي جراحه التي تفجَّرت منها ينابيع المغفرة والحياة لنا. وجراح يسوع هي جراحنا وجراح البشريَّة جمعاء، وجراح كلِّ الذين يتألَّمون في قلوبهم وأجسادهم وكرامتهم. مَن يتألَّم ولا يتألَّم يسوع؟! مَن يجوع ويعطش ولا يجوع ويعطش يسوع؟! من يُقهَر ويُزَلُّ ولا يُقهَر ويُزَلُّ يسوع؟! هذه الجراح حملها وسيبقى يحملها في جسده الإنسانيِّ الممجَّد حتَّى مُنتهى الدَّهر، علامة محبَّته وتضامنه مع البشريَّة المجروحة. فإن كنَّا نُريد أن نراه ونلمسه ونتأكَّد من أنَّه حيٌّ، فها هو معنا في وجه كلِّ موجوعٍ ومتألِّم ومحتاجٍ ومُشرَّد: "كلُّ ما فعلتموه لأحد إخوتي هؤلاء الصِّغار فلي فعلتموه"؛ "من رأى أخاه، رأى الله" كان يقول المسيحيُّون الأوائل.

 

أنريد حقًّا أن نرى يسوع المصلوب والقائم من الموت، ها شهادة الرُّسل المدوَّنة في الإنجيل التي آمن بسببها كثيرون وتحوَّلت حياتهم؛ وها الأسرار المقدَّسة التي تعطينا أن نختبر قوَّة قيامته، وننهل منها النِّعم المُحرِّرة والشّافية للنَّفس والجسد. وها الشّهود الأحياء، سفراء المسيح (2 قور 5/ 20)، الذين إلتقوه على طرقات حياتهم، من بولس حتَّى أصغر مسيحيٍّ في ملكوت الله، واختبروا قوَّة قيامته المحوِّلة والمُحرِّرة لهم ولإخوتهم. ألا فأعطنا يا ربُّ أن نراك كما رآك توما. 

 

حياتنا اللِّيتورجيَّا - زمن القيامة 2019

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية