ليتورجيّا الأرض وليتورجيّا السماء

ليتورجيّا الأرض وليتورجيّا السماء

 

ليتورجيّا الأرض وليتورجيّا السماء

 كتاب رؤيا القديس يوحنّا يقدّم لنا صورة رمزية عن ليتورجيّا السماء المهيبة التي تنشد الله الخالق الجالس على العرش: "قدّوس، قدّوس، قدّوس، الرب الإله القدير كان وكائن ويأتي" (4: 1-8) وتنشد للحمل المذبوح، وهو المسيح الذي صُلب وقام، وهو الكاهن الأعظم والحقيقيّ خادم هذا المقدس، ويهتفون: "يحقّ للحمل المذبوح أن ينال القدرة والغنى والحكمة والجبروت والإكرام، له المجد والحمد" (5: 12). وسُمع نشيد كلّ خليقة في السّماء والأرض وتحت الأرض وفي البحر والكون تقول: "للجالس على العرش وللحمل الحمد والإكرام والمجد والجبروت إلى أبد الدهور" (5: 13). ومن العرش والحمل يتفجّر نهر الحياة الذي يرمز إلى الروح القدس (22: 1).

في هذه الليتورجيّا السماوية الثالوثيّة يشركنا الروح والكنيسة عبر ليتورجيّا الأرض، حيث نحتفل بسرّ خلاصنا في الأسرار المقدّسة.

 

 في ذبيحة القدّاس يتحقّقُ عمل فدائنا بالحضور الإلهي بيننا وفينا عبر سرّ المسيح الفصحيّ، سرّ ذبيحته لخلاصنا ووليمة جسده ودمه لحياتنا. نقرأ في دستور المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثاني حول اللّيتورجيّا: "إنّ مخلّصَنا يسوع المسيح، في العشاء الأخير، في اللّيلة التي أُسلم فيها، أسّس ذبيحة جسده ودمه القربانيّة لكي تدومَ بها ذبيحةُ الصليب، عبر الأجيال حتى مجيئه في الدَّهر الآتي، ولكي يستودعَ الكنيسة، عروستَه الحبيبة، ذكرى موته وقيامته، لتكون سرّ التقوى، وعلامة الوحدة، ورباط المحبة والوليمة الفصحيّة، التي فيها نتناول المسيح، وتمتلئ النفس بالنعمة وتنال عربون المجد الآتي".

كلمةُ "قدّاس" تعني "التّقديس"، كما صلّى الربّ يسوع، من بعد أن قدّس الخبز والخمر في عشائه الفصحيّ الإفخارستيّ: «يا أبتِ القدُّوس، أنا أقدِّس ذاتي من أجلهم، ليكونوا هم أيضًا مقدَّسين في الحقّ» (يو 17: 19). قدَّس ذاته ببذلها كذبيحة تامّة، فأضحى الحَبرَ المقرِّب والقربان الذبيح في آن. وقدَّسنا بموته وقيامته.

 

المشاركة في القدّاس

في كلّ مرّة نشارك في ذبيحة القدّاس، إنّما نعيش حدثَ خلاصنا، سرّ موت المسيح وقيامته؛ ونشكر الله الآب على محبّته لنا بابنه يسوع ربِّنا؛ ونجدّد محبّتنا للمسيح الرب؛ ونشارك روحيًّا بموته وقيامته؛ كما إننا نجلس إلى مائدة عشائه السّري، ونسمعه يقول لنا «هنا والآن» بصوت الكاهن: «خذوا كلوا، هذا هو جسدي الذي يُبذَلُ من أجلكم... خذوا اشربوا، هذا هو دمي الذي يُهرق من أجلكم» (لو12: 19-20) ؛ وأيضًا نتقدّس بحلول الروح القدس، في عنصرةٍ جديدة، عندما نهتف ثلاثًا مع الكاهن المحتفل: «استجبْنا يا ربّ، وليأتِ روحُك الحيُّ القدّوس، ويحلَّ على هذا القربان فيقدّسَه، ويحلَّ علينا فيقدّسنا ويعطينا القوّة لنعيش إيماننا كاملًا»؛ وندرك أخيرًا أنّنا نحتفل بقربان المحبّة والمصالحة مع الله ومع بعضنا البعض، فيما نسمع الربَّ يقول لنا: «إذهبْ أوّلًا وصالحْ أخاك، ثمّ عُدْ وقرِّبْ قربانَك»  (متى 5: 23).

 

عمل المسيح والجماعة

 تتألّف رتبة القدّاس من خدمتَين: خدمة الكلمة وخدمة القربان. في كلتَيهما يوجد، على رأس الجماعة المؤمنة، المسيح نفسه الذي هو الفاعل الأساسيّ. إنّه الكاهنُ الأعظم الذي يرأس بشكل غير منظور كلّ احتفال إفخارستيّ، يمثِّله الأسقف أو الكاهن مترئس الاحتفال، فيما يشاركه الشعب كلّه، ومن بينه القرّاء وخدّام المذبح ومقدِّمو القرابين والمرتّلون.

إنّ اللّيتورجيا الأرضيّة، وإن قامت على أيدي الكهنة، يبقى المسيح الرب هو الذي يقيمها بشخصهم، وتبقى الليتورجيّا عمل المسيح الكلّي الحاضر بكلامه وذبيحة جسده، الذي يشمل الملائكة والقدّيسين والبشر، الأحياءَ والأموات، الماضي والحاضر والمستقبل، بشكل مختلف. رؤيا القدِّيس يوحنا تصف بصور سرّية هذه اللّيتورجيا السماويّة، ليتورجيّا الله التي يتمّ فيها عيد المحبّة وفرح الآب والابن والروح القدس، والتي نتّحد بها من خلال ليتورجيّا الأرض.

 

الانسجام في الأدوار والحركة الطقسيّة

 لكلّ احتفال طقسيّ ليتورجيّته، من حيث الأشخاص وأدوارهم وحركاتهم. فلكي تكون الجماعة على مستوى الاحتفال الذي هو دائمًا إلهيّ وبشريّ في آن، لا بدّ من  تحقيق الانسجام بين كل عناصره وخدّامه وهم: المحتفل، المعاونون، الشمامسة، القارئون، المرتّلون، خدّام المذبح والجماعة المصلِّية. يجب تلاوة الصلوات وإعلان القراءات بوضوح وخشوع، بإيمانٍ وورع، فإنّا في حضرة الله. في هذا الإطار، ترسم الإرشادات لكلّ شخص في الإحتفال دوره ومهمّته، فنصلّي المزامير بنغم بسيط، ونرتّل الألحان بفرح وتقوى، ونؤدّي الصلوات الجماعيّة بطريقة هادئة، منتظمة وواضحة.

بهذه الروحيّة، يجب إتقان الحركات الطقسيّة، فتأتي تعبيرًا عن إيمان المصلّي، لا مجرّد حركة خارجيّة. إنّها إنسجام بين الموقف الدّاخلي والموقف الخارجي. ليعِ المؤمن لماذا يعمل ما يعمل. والانسجام يشمل الجماعة المشتركة أيضًا، فتقوم كلّها بالحركة نفسها في الوقت نفسه. لا مجالَ لتعبير فرديّ خاص غير منسجم مع الجماعة المصلّية ولو بدوافع إيمانيّة صادقة: هذا واقف ذاك جالس وآخر راكع.

حركة طقسية واحدة في وقت واحد تصنعها الجماعة كأنها شخص واحد. في هذا الإطار، ينبغي التقيّد بالإرشادات الخاصّة في كلّ رتبة مثل: رفع اليدَين للتضرّع والصلاة، وبسطهما إستعدادًا للمناولة، وانحناءة الرأس بخشوع عند رسم إشارة الصليب، وعند قبول البركة التي يمنحها المحتفل، والوقوف معًا والجلوس. إنّها ترتيبات تعكس روحانيّة جماعيّة وروح عبادة تليق بالحضور الإلهيّ، وتضع الإنسان بكلّيته في حالة صلاة روحيّة وعقليّة وجسديّة، مع القلب الذي يصلّي بنقاء وسلام، وشكر وتسبيح.

تظهر هذه الروحانيّة الجماعيّة في اللّيتورجيّا الشعبيّة:  في الزيّاح داخل الكنيسة أو خارجها، وتبريكات الشموع والماء والخبز والقمح والعنب وسائر ثمار الأرض التي هي من عطايا الله للإنسان. تجب المحافظة على هذه العلامات الحسّية في ليتورجيّتنا لئلّا ندخل في خطر "تجريد" الحياة من رموزها فيُفقَد المعنى.

 

المنشِّط الليتورجيّ

  بقدر ما يكون الاحتفال اللّيتورجي مهيّأ، بقدر ذلك يؤتي ثماره الروحيّة. فلا ارتجال في احتفالاتنا لئلاّ تفقد الكثير من روحانيّتها وخشوعها، بل ينبغي وجود منشّط ليتورجيّ للاحتفالات الطقسيّة: ينظّم الاحتفال ويوجّهه وينسّقه، ليأتي منسجمًا وجذّابًا. يعنى المنشِّط، بتوجيه من كاهن الرعية، بتنظيم إحتفالات لفئات من الرعيّة كالأطفال والشباب والعائلات والمرضى وسواهم. هذه تحيي بشكل دوري قدّاس الأحد في قلب الجماعة. فقدّاس الأحد هو التعبير المنظور عن وحدة جسد المسيح السرّي، الذي هو الكنيسة الواحدة الجامعة المقدّسة الرسوليّة ونواتها الرعيّة. "فالليتورجيّا تصنع الكنيسة والكنيسة تصنعها" كما يعلّم الآباء.

 

الترنيم

 يشكّل الترنيم واللّحن اللّيتورجي وحدة متكاملة مع النص والحركة والرمز تعبّر عن اتّحاد كنيسة الأرض بكنيسة السماء، في أداء نشيد الشكر والتمجيد للآب على محبّته التي تجلّت بالخلاص الذي حقّقه الابن، ويتمّمه الروح القدس في العالم؛ والألحان الكنسيّة هي انعكاس لتسبيح الملائكة في ليتورجيّا الحمل. لذا امتازت اللّيتورجيّا بإتقان الألحان، وكان لا بدّ من جوقات مدرَّبة تقوم بهذه الخدمة. الطقس المارونيّ الذي يتميّز بألحان جميلة ذات طابع شعبيّ لم يحصر الخدمة اللّحنيّة بالجوقة، بل يريد أن تساعدَ جوقة المرتّلين الشعب على تأدية الألحان والمشاركة  فيها، وهذه من أبرز ميزات طقسنا. إنّ بساطة طقسنا على عمقه وطابعه الشعبيّ، لم يمنع من تكوين جوقات بدأت تتألّق بالحِرَفيّة الموسيقيّة. إنّها أيضًا عطية من الروح وكنّارات له، شرط ألاّ تحلّ مكان الشعب لاسيّما في الإحتفالات الكبرى والمناسبات الكنسيّة الهامّة، فيضحي الشعبُ صامتًا، مستمعًا ومتفرِّجًا، بل ليبقَ دور الجوقة مساعدة الشعب في الترنيم، لأنّ "مَن رتّل صلّى مرّتَين"، على ما يقول القدّيس أغسطينوس.

في هذا السياق يجب التمييز بين اللّحن الكنسيّ الطقسيّ والأغنية الروحيّة التي لها دورها ومنفعتها في التنشيط الرعويّ خارجًا عن أطر الاحتفالات الطقسيّة. إنّ اختيار الألحان في القدّاس هو مسؤوليّة لاهوتيّة وكنسيّة وتربويّة، وعلى الكاهن مع فريق عمله والخدمة أن يُحسن اختيارها لخير النفوس. هذا الأمر يتطلب تثقيفًا لاهوتيًّا ومعرفةً ليتورجيّة تساهم في عيش الحدث اللّيتورجيّ بشكل واع ومغذٍّ.

 

دور الكاهن

  للكاهن دور أساسيّ في الاحتفال اللّيتورجي؛ فكهنوتُه مرتبط مباشرة في الإفخارستيّا والأسرار. إنها منطلق روحانيّته وينبوعها، وهي الزاد اليوميّ في حياته وعمله ورسالته. الليتورجيّا، بالنسبة إليه وإلى الجماعة المؤمنة هي "الينبوع والغاية". الحياة الأسراريّة أولويّة عنده ؛ فهو، بطبيعة خدمته، اللّيتورجيّ والمعلِّم والمنشِّط والمساعد لأن تكون الإحتفالات الليتورجيّة في رعيّته مصدر الغذاء الروحيّ لِلمؤمنين والمؤمنات.

اللّيتورجيا هي ليتورجيّا الايمان والخشوع والترتيب والفرح وإعطاء كلّ شيء قيمته وقدسيّته. إنها زمن الوليمة المقدّسة، الذي يخرجنا من منطق زمننا لندخل في منطق الثالوث، حيث يرتوي الكاهن والجماعة من الكنوز الروحيّة، ويروون معهم العطاشَ الى البرّ (متى5: 6). هنا يتحقّق الكهنوت ويناغم المحتفل بين صوته وقلبه، بين الظاهر والباطن، بين الإتقان الليتورجيّ البهيّ والعلاقة الحميمة العاموديّة مع المسيح الحيّ والحاضر معنا ؛ هنا يستثمر المحتفل كلّ المواهب والطاقات ويكون المتضرّع والمعلّم والكارز وصاحب الذَّوق الرفيع ؛ هنا يتحقّق سرّ  "التدبير".

 

واجبُ الأسقف

 أمّا المسؤول الليتورجيّ الأوّل فهو الأسقف، رئيس كهنة شعب الله في أبرشيّته. به تتعلّق حياة المؤمنين والمؤمنات الروحية، لكونه حارسًا ومنشّطًا ومترئّسًا للحياة اللّيتورجيّة بأجمعها. دوره تعزيز الحياة الليتورجيّة وتنظيمُها بحسب رسوم الكنيسة المارونيّة الخاصّة وعاداتها المشروعة وتراثها. وبذلك يحقّق الشّركة مع إخوته الأساقفة. عليه أن يتّحد مع إكليروسه ويكونَ حارسًا متنبّهًا للضمير الليتورجيّ الحيّ لدى شعبه.

من واجبه أن يُنشئ لجنة ليتورجيّة تتواصل مع اللّجنة البطريركيّة وتعمل على تدعيم العمل الليتورجيّ في الأبرشيّة. وعلى الشعب المؤمن أن يقدّر قدرًا عظيمًا الحياة الطقسيّة حول الأسقف، ولاسيّما في الكنيسة الكاتدرائيّة، التي ينبغي أن تكون مثالًا في ممارسة الحياة الليتورجيّة.

على الأسقف أن يوفّر لكهنته التنشئة الليتورجيّة المستديمة، من خلال دورات تثقيفيّة ومحاضرات دوريّة، تعنى بشؤون اللّيتورجيا النابعة من التراث الأصيل لكنيستنا ؛ وعليه أن يقود المؤمنين إلى ينابيعها الروحيّة، ويسهر على تطبيق قواعدها، وفق توجيهات كنيستنا المستمرّة، من أجل تنشيطها ونموّها وتقدّمها، للحفاظ على تراثنا العريق والغنيّ في آن.

 

التنشئة الليتورجيّة

  التنشئة الليتورجيّة ضروريّة للغاية من أجل تحقيق المشاركة الروحيّة الواعية والفاعلة في الاحتفالات اللّيتورجيّة. ينبغي أن تطال الإكليروس والشعب، وأن تتوفّر في الرعايا والمدارس ودُور النشئ للكهنة والرهبان والراهبات، وفي الكلّيات اللّاهوتيّة، ومعاهد التثقّيف الدينيّ. تُستَخدَم لهذا الغرض وسائل الإعلام وتقنيّات التواصل الحديثة.

ذلك عملًا بتوصية المجمع البطريركيّ المارونيّ التي تعتبر أنّ "الإصلاح الليتورجيّ" يتحقّق في الكنيسة عندما يجمع بين أمرَين: التنشئة العلميّة والبحثيّة لليتورجيّا من الناحية التاريخيّة واللاهوتيّة والرعويّة، والتنشئة المستمرّة للكهنة والإكليريكيّين والرّهبان والرّاهبات والعلمانيّين بغية تعميق الفهم الليتورجيّ والمعرفة الطقسيّة بأبعادها اللاهوتيّة والروحيّة والرعويّة من جهة، وإحياء الاحتفالات الطقسيّة وإنعاشها في الجماعات الرعائية المصلّية من جهة أخرى. فبفضل هذه التنشئة الشاملة، تستمرّ اللّيتورجيّا المارونيّة، كما كانت، ممتزجة بواقع المؤمنين وحياتهم. لقد أظهرت ذلك اختباراتهم الحياتيّة في صلواتهم وخيارات حياتهم المسيحيّة وحاجاتهم الروحيّة، في ظلّ الاضطهادات والآلام والأفراح.

فكانت اللّيتورجيّا مرآة تعكس إيمان هذه الكنيسة المؤمنة بالله الثالوث، وبتجسّد الابن الوحيد الإله الكامل والإنسان الكامل؛ وكانت ليتورجيّة توفّق بين الاحتفال بالتدبير الإلهيّ وعيش الاختبار البشريّ الحرّ والصّادق. 

لذا، يُطلب بإلحاح من الرّعاة أن يجتهدوا، بغيرة وصبر، في تأمين تنشئة طقسيّة للإكليروس والمؤمنين وتوعيتهم على مفاهيمها الضّروريّة، ليتمكّنوا من المشاركة الفعّالة في الاحتفالات التي ترفع قلوبهم إلى الله فيما يحتفلون حسيًّا بسرّه الخلاصيّ. 

إنّ الليتورجيّا تُشكِّلُ مدرسة إيمان، حسب قول آباء الكنيسة: "شريعةُ الصلاة هي شريعةُ الإيمان"، فلا لاهوت خارجًا عن الليتورجيّا والصلاة.

 

البطريرك – الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي

 

المركز الدائم للتنشئة المسيحية macro-max rebound mazar
CMS x