مار اسطفان نعمه

 

 

 

 

 

 

مار اسطفان نعمه

 

يتحدَّث هذا الإنجيل من خلال مثل العمَلة وأُجرتهم عن كيفيَّة دخول ملكوت السّماوات. فالدّخول إليه يتوقّف على نعمة الله وعلى الإيمان بالمسيح وليس على مدَّة الخدمة. فالعهد بين الله والإنسان يعتمد على حريَّة الله وصلاحه ومجَّانيَّة العطاء وليس على مقاييس الإنسان ومفهومه.

 

النصُّ يُبيِّن لنا بأنَّ الله هو ربُّ الكرم، وكرمه هو شعب العهد (أش 5/ 1 - 7). ويريد الربُّ أن يدخل جميعُ العمَّال في كرمه بحيث لا يبقى أحد عاطلاً عن العمل. "واتَّفق مع العملة على دينارٍ في اليوم وأرسَلهم إلى كَرْمِه. إنَّ صاحب الكرم عادل حين أعطى العمَّال الأوَّلين دينارًا، وأمَّا حين أعطى الآخرين مثل الأوَّلين فدلَّ على سخائه. "ثمَّ خرجَ..." فخروج صاحب الكرم للبحث عن العمَّال خمس مرَّات في اليوم يدلُّ على أنَّ المستخدم لا يفعل ذلك لأجل مصلحته الخاصَّة، بل يهتمُّ بمأساة العملة البطّالين "لماذا قُمتُم ههنا طوال النَّهار بطّالين؟".

 

"لمَّا جاءَ المساء أخذَ الآخرون الذين قدموا إلى الكرم كلٌّ منهم دينارًا. وأمَّا الأوَّلون فلمَّا أخذ كلٌّ منهم أيضًا دينارًا، "أخذوا يتذمَّرون على ربِّ البيت": إذ رفضوا منطق ربَّ الكرم الذي يتنافى ومنطق البشر في العدالة. إنَّ تذمُّر النّاس من الله عبر أسفار العهد القديم حيث تذمَّر اليهود الصّالحون الأبرار على الله، لأنَّه يغفر للخاطئين ويرحم التّائبين وقالوا "ليسَ طريق السيِّدَ بمُستقيم" (حز 18/ 25). كذلك يونان النبيُّ إحتجَّ على الله، لأنَّ الله غفر لأهل نينوى. كما عبَّر عن هذا التَّذمُّر الإنجيل، فعلى سبيل المثال في مثل الابن الشّاطر يتذمَّر الابن الأكبر على أبيه بقوله "لمَّا قَدِمَ ابنُك هذا الذي أَكَلَ مالَكَ مع البغايا ذبَحْتَ له العِجْلَ المُسَمَّن!" (لو 15/ 30) وفي شفاء أعمَيَيْن في أريحا (متَّى 20/ 29 - 34). لكنَّ الله يُعلن: "إنَّ أفكاري ليست أفكارَكم ولا طرُقكم طُرُقي". هذا يُحذِّرُنا من مهاجمة الله. يحقُّ لنا أن نطرح الأسئلة لكن بالحبِّ وفي الحبِّ ومع الحبِّ.

 

"فأجابَ واحدًا منهم: يا صديقي، ما ظلمتُك، ألم تتَّفِقْ معي على دينار؟". احترم ربُّ البيت عقد الأُجرة وهو يستطيع أن يتكلَّم بثقة تنزعُ كلَّ سلاح من يد العمَّال. يهب الله "دينار الخلاص" أي رحمتَه لمن يشاء من المتقدِّمين والمتأخِّرين، دونما اعتبار لساعة قدومهم، وانتقاص لقيمة أجرهم. فهو عادل مع المتقدِّمين، وسخيٌّ مع المتأخِّرين. يتصرَّف بحريَّة ليَخدم لا ليُخدم. وهمُّه أن يُظهر صلاح الله. ولكلِّ إنسان مكانه في الملكوت. وإذا الأجور تُقرَّر على أساس ما يؤدِّيه العامل، وعلى أساس مؤهَّلاته وكفاءته ومدى إنتاجه.

 

يكشف لنا هذا المثل حقيقتَيْن: الله صالحٌ، والثانية نحن نحسد بعضُنا بعضًا، وما دُمنا نحسد، فلن نستطيع أن نفهم كَرَمَ الله وصلاحه. أتنظر بعينٍ شرِّيرةٍ لأنِّي أنا صالح؟ يريد يسوع أن يُبيِّن من خلال المثل أنَّ رأفة الله تفوق مقاييس البشر في المكافأة المفهومة كأُجرة مستحقَّة. ويدعو إلى الكفِّ عن الحسد أمام كرم الله ومحبَّته. من حيث أنَّ كلَّ شيء ينبع من النِّعمة. فللّهِ الحقُّ في أن يعطي كما يشاء. ومن دون محبَّة أخويَّة، وتضامنٍ لا نستطيع أن نفهم صلاح الله. هنا نتذكَّر كلام الغنيِّ عن الصَّالح الذي هو الله (متَّى 19/ 17). الخلاص هو نتيجة نعمة الله وكرمه ومن دونه لا يستحقُّ أحدٌ الحياة الأبديَّة. ويتوجَّب علينا ألاَّ نحسد مَن يرجعون إلى الله في اللَّحظات الأخيرة من حياتهم، كما رجع اللِّصُّ اليمين الذي قال ليسوع المصلوب: "أُذكرْني يا يسوع إذا ما جئتَ في ملكوتك" (لو 23/ 42).

 

وفي الختام، لا يسعُنا إلاَّ أن نقول أنَّ الربَّ لا يحتقر عاملاً جاءَه في ساعةٍ متأخِّرة ولا مِن طبقةٍ متواضعة، إنَّ خلاص الله لا يُحصَر في أُمَّةٍ دون أُمَّة، وإنَّما الله يهب الخلاص للنَّاس أجمعين دونما اعتبار للمكانة أو للزَّمان أو لمدَّة الخدمة. الله أكبر من قلبنا (يو 3/ 20) فيَحقُّ للجميع أن يُشارِكوا في محبَّتِه وفي الخلاص الذي قدَّمه عن طريق ابنه يسوع المسيح. فلماذا الحزن والغضب إن نال الآخرون ما نلناه نحن؟ يا ربُّ إنَّنا ننتظر كلَّ شيء من جودِك الأبويِّ. فلك منَّا الشُّكرَ والحمد.  

 

الأب طوني غانم