مرتا ومريم

 

 

مرتا ومريم

 

تضع الكنيسة أَمامَ بصيرة إيماننا هذا الأحد، نصًّا من الإنجيل بحسب القدِّيس لوقا يتمحوَر حول أولويَّة الإصغاء لكلام الربِّ يسوع، وذلك من خلال شخصيَّتَي مرتا ومريم.

 

أولويَّة الإصغاء لكلام يسوع: ينقل لنا الإنجيليُّ لوقا مَشهَد إستضافة مرتا ليسوع وتلاميذه. سنتأمَّل معًا في مسيرة إيمان هاتَين المرأتين بالربِّ يسوع، وتجاوبَ كلٍّ منهما مع نداءاته. يبدو أنَّ القرية التي لا يذكرها الإنجيليُّ في هذا النصّ، هي "بيت عنيا" قرية لعازر صديق يسوع، وشقيقتيه مرتا ومريم (يو 11/ 1؛ 12/ 1).

 

وجه مرتا: اسمها آراميٌّ معناه ربَّة، هي الأخت الكبرى لمريم ولعازر وسيِّدة البيت، والمسؤولة عن الإستقبال، وتأمين ما يلزم من حاجات البيت، وأنواع الخدمة وأصناف الضِّيافة، لأهل بيتها والزوَّار، إنَّها مدبِّرة قديرةٌ لشؤون بيتها. أظهرت محبَّتها ليسوع، عندما خرجَت تستقبله حين كان يعبر من أَمام بيتها، وهي التي حضَّرَت له أفخر وليمة، عندما دعاه أخوها لعازر بعدما أقامَه من الموت (يو 12/ 2). وسبق أن أعلنَت إيمانها بيسوع بعد حوار أجراه معها، حين كان أخوها لعازر ميتًا وموضوعًا في القبر، إعترفت قائلة: "أنا أؤمن كلَّ الإيمان بأنَّك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم" (يو 11/ 27). رُغمَ ذلك، تبقى مرتا أسيرة التَّقاليد والعادات اليهوديَّة، التي تُحدِّد دور المرأة ضِمن إتمامِ الخدمات المنزليَّة والإهتمام في إكرام الضّيوف وخدمتهم.

 

مرتا استقبلت يسوع بحفاوةٍ ومحبَّة، وانكبَّت تكرِّمه بحسب عوائدها، ظنَّت أنَّها ستنال الثَّناء منه على حفاوة استقبالها له، وعلى أنواع الضّيافة الكثيرة التي شغلَت بها قلبها وفكرها، واستنزفَت وقتها وأعصابها وطاقتها، وأفقدتها سلامها الدّاخليَّ وجعلتها مُضطربةً. وما زادَ تأزُّم حالتها النَّفسيَّة، أنَّها شاهدَت أُختها مريم جالسةً عند قدمَيّ يسوع تُصغي لكلامه، وهذا أمرٌ يُخالِف العادات والتَّقاليد، وواجبات الضِّيافة بحسب رأيها ومفهومها، فانزعجَت واضطربَت وملأت الغيرة قلبها، من موقف أختها، فجاءَت إلى يسوع، تعاتبه وتلومه على صمتِه تُجاه تصرُّف أختها، وتطلُب منه أن يَمون عليها ويأمُرَها بأن تقوم وتساعدَها، وفي داخلها قناعة، أنَّ موقف يسوع سيكون متوافقًا مع قناعاتها ومبادئها. غاب عنها أنَّ الضَّيف الذي استقبلته، هو الربُّ الإله، والإنسان الجديد، الذي دخلَ بيتها ليُجدِّدَ ذهنيَّتها ويُساعِدَها على ترتيب أولويَّات حياتها، لتعرف أنَّ خدمة كلمة الربِّ، هي أولى الأولويَّات، لأنَّها يُنبوع سلام، قادرة على تحريرها من القلق والإضطراب، والغيرة، والشّعور بالنّقص، ومراقبة الآخرين... وأنَّها كلمة روحٍ وحياة، تملأ من يقبلها بقلبٍ سخيٍّ، نشاطًا وحيويَّة وفرحًا، عندها تصبح الخدمة تتميمًا لإرادة الله، وتمجيدًا لاسمه، وشهادة لمحبَّته.

 

وجه مريم: لاسم مريم معانٍ عديدة، في اللّغات الساميَّة "سيِّدة البحر، أو العصيان". وعند العجم يعني المرأة العابدة، أو الخادمة. ما إن دخلَ يسوع إلى البيت وجلس، حتَّى أتت مريم، وجلسَت عند قدمَيه تسمَع كلامه. من دون أن يَدعوها يسوع لذلك، وهي وقعت عند قدميه عندما جاءَ إلى قريتها بعدما مات لعازر شقيقها (يو 11/ 32). أخذت موقع التّلميذ في جلوسها عند قدمي يسوع، كما كان يفعل تلاميذ الأنبياء. إنَّها عرفت أنَّ يسوع يروي عطش قلبها، وأنَّه أينما يحلُّ يكون هو السيِّد، والكلُّ مدعوٌّ ليكون ضيفًا يفتح قلبه ويشبع جوعه، ويروي عطشه من كلامه. مريم انشغلَت بشخص يسوع، على العكس من أُختِها التي انشغلت بما تقدِّمه ليسوع. مريم وضعَت كلَّ حواسَّها في خدمة يسوع، ركَّزَت عينيها عليه لتستنير بنورِه، وأُذنَيْها للإصغاء إلى كلِّ كلمة من كلامه، وذوقها لتتلذَّذ بطيبته، "ذوقوا وانظروا ما أطيب الربَّ" (مز 34/ 8). القدّيس إيرينه يتَّخذ مريم مثالاً في إحدى رسائله لإحدى تلميذاته، فيقول: "كوني كمريم تفضِّلين طعامَ النَّفس على طعام الجسد... اتركي ثقل العالم واجلسي عند قدمي الربِّ"، وقولي له: "وجدت من تحبُّه نفسي، فأمسكته ولم أتركه" (نش 3/ 4). مريم اختارَت النَّصيب الأفضل الذي هو شخص يسوع كنز الحياة وفخرها وغايتها. وهي من أدركَت سرَّ موت يسوع وقيامته، فاستبقت ذلك بحركة نبويَّة عندما سكبت الطّيب الغالي الثَّمن على قدميه ونشَّفتهما بشعرها (يو 12/ 3). وجه يسوع وتعليمه: ما إن دخل بيت مرتا ومريم وجلس، تحوَّل البيت إلى منصَّةٍ له ليعلن كلامه، وإلى مكانٍ للهدوء والإصغاء إلى كلِّ كلمةٍ تخرج من فمه. "إنَّه المسيح ابن الله الآتي إلى العالم" (يو 11/ 27). بعدما سمع بقلبٍ متفهِّم كلام مرتا، "يا ربُّ، أما تبالي بأنَّ أُختي تركتني أخدم وحدي؟ فقل لها أن تساعدني!" أجابها بكلِّ احترام مقدِّرًا أتعابها، "مرتا، مرتا، إنَّك تهتمِّين بأمور كثيرة، وتضطربين!" لم يحكم يسوع على مرتا لأنَّها تهتمُّ بالخدمة وتقديم الضِّيافة، بل أراد أن يوجِّهها لتضعَ أولويَّات في حياتها، وأرادَ أن يُبيِّن لها أنَّها انشغلت عنه، وأنَّ المطلوب هو الإهتمام فيه، وتلقِّي منه ما يحمله لها، وليس الإهتمام بما ستقدِّمه. وأرادَ يسوع أن يُبيِّن لها أنَّ كلَّ تعبها وخدمتها والأصناف الكثيرة التي قدَّمتها، كانت مملحَّة بالإضطراب، وهذا لا يليق بها، ولا بضيفها. كان يكفيه كوبٌ فيه القليل من الماء، وقلبٌ فيه الكثير من الحبِّ والإصغاء.

 

ثمَّ قال لها: "مريم اختارَت بملء حريَّتها وإرادتها، النَّصيب الأفضل، ولن ينزع منها". هذا النَّصيب هو أنَّها بنَتْ حياتها على الصَّخر، بجلوسها عند قدميَّ، وإصغائها إلى كلامي. وهو إعطاؤها الأولويَّة لشخصي ولكلِّ ما أُقدِّمه لها، وليس ما تقدِّمه هي. وهو دخولها بالشّركة معي، التي لا تأتي من كثرة الإنشغالات، بل من كثرة الحبِّ والإصغاء، وتشريع باب القلب لاستقبال الكلمة".

 

كلٌّ منَّا يَحمِل في شخصه وجه مرتا ووجه مريم. بالنِّسبة إلى الخدمة، ليس كلُّ مَن يَخدُم يُمجِّد الله في خدمته. يسوع يُبيِّن في هذا المشهد من إنجيله، مفهوم الخدمة الحقيقيَّ. عندما يرافق السَّلام الدّاخليِّ خدمتي للنّاس في جميع مجالات الحياة، والفرح والسَّخاء، والمجّانيَّة، تكون خدمتي نابعةً من صلاتي، وتكون متمِّمةً لمشيئة الله، ومؤسَّسةً على خدمة الربِّ، الذي جاءَ ليَخدُم لا ليُخدَم. وبالنِّسبة إلى الصَّلاة والتأمُّل، عندما آخذ وقتًا للصَّلاة، وأجالس الربَّ متأمِّلاً بكلامه، أرتوي بنعمته، وأتجدَّد برحمته، وأتثقَّف بكلمته، وأمتلئ نشاطًا وحيويَّة من ماويَّة روحه، عندها أعود إلى العالم، أحمِل مشورع خدمة جديدة موقَّع من الربِّ، الذي يوكِّلني لتنفيذه، ويمدُّني بقوَّة روحه. عندها تكون خدمتي أكثر إفادةً للخير العامّ، وخير الأفراد، ولمجد الله، وقداسةً لنفسي. عندها أَكون اخترت النّصيب الأفضل، لأنَّ كلَّ الإهتمامات والضِّيافات واللّياقات تزول، أمَّا كلمة الربّ فتبقى إلى الأبد.

             

الأب يوحنّا مراد