معاني الصّلاة

 

 

  معاني الصّلاة

 

الصَّلاة

 

إنَّ الصَّلاة نعمة  تـُطلـَب، والرَّبُّ لا يَرفضُ هذا الطـَّلب... قبلَ أنْ تبدأ صَلاتكَ كلَّ يوم، أُطلـُبْ إليهِ أنْ يُعـلـَّمَكَ الصَّلاة. واطلـُبْ نعمة َ التأمُّل ِ الخاصَّةِ بالأسبوع ِ وباليوم... وهَكذا تنالُ نعمة ً ويزدادُ فيكَ الإنسانُ الباطن، كما يقولُ القدِّيسُ بولس، ويُقيمُ المَسيح في قلبكَ بالإيمان، فتعرِفَ محبَّتهُ التي تفوقُ كلَّ معرفة... وتحيا...

 

1- دور الصَّلاة

    الصَّلاة هيَ تحويل الإيمان  إلى إحساس. يجب أن يتحوَّل الإيمان النـَّظريّ إلى إحساس وحياة، فيَدخُل إلى الوجدان. والصَّلاة  هي عمليَّة تحويل  الحقائِق المُجرَّدة على مستوى العقلِ إلى حقائِق  حَيَّة على مستوى القلب والوجدان، في حرَكة دخول  إلى العُمق. "إذهب إلى العُمقِ وأرسِلوا شِباككم"(لو5:4 )

 

إنَّ الصَّلاة َ هيَ العودة إلى العُمق،  إلى عُمق  الذَّات وهيَ إن لم تكن كذلِك لن تفيد. فالصَّلاة يجب أن تكونَ مُثمِرَة، إذ إنـَّها ليسَت مُجرَّد فريضة أُؤدِّيها وكأنـِّي أقول: هل أنت تحتاج منـِّي إلى نِصفِ ساعةِ صَلاة؟ ها أنا أُعطِيكَ إيَّاها. في الحَقِيقةِ أنتَ هوَ المُحتاجُ إلى هَذا الوقتِ وليسَ هوَ.

 

فمِن خلال الصَّلاة تعود إلى عُمق  نفسِك وإلى وَحدَة  كيانِك. والصَّلاةُ التأمُّليَّة هيَ المَعنِيَّةُ في هَذا الصَّدَد، هيَ الصَّلاة  التي تهدِف إلى خَلق جَوٍّ مِنَ التأمُّل، وإلاَّ كانت كلامًا فارغـًا.

إذَا حين أقول إنـِّي محتاج إلى فترة يوميَّة للصَّلاة، أعني أنـِّي محتاج إلى أن أجد نفسي وأركـِّزها وأجمع شملها. تلك الحطام التي تناثرت في كلّ جانب أحتاج إلى أن أجمعها مرَّة أُخرى، أن أكون أنا مجدِّدًا بعد أن تبعثرت، أن أُعيد لمَّ شمل نفسي وأُرتـِّبها.

هذه هي الصَّلاة التأمُّليَّة وهذا هو العمق. بل هذا هو سرّ الإنسان الموحَّد فهو يقوم بأيّ عمل وكيانه حاضر في كلّ ما يعمله. وحين يتحدَّث بفعل ذلك بكلّ وجدانه، وإذا ابتسم يضع كيانه كلـَّه في ابتسامته. وأيّ حركة يقوم بها تنبع من عمقه ولها فعل السِّحر.

أمَّا الإنسان غير الموحَّد فلن يكون له أيّ تأثير بل هو مجرَّد طيف.

 

2- الصَّلاة فعل حياة

        لماذا لا نعترف بادئ بدء بأنـَّه يصعب علينا دائمًا التكلـُّم في الصَّلاة؟ يعوقنا عن ذلك تارة نوع من الحياء، وتارة أخرى الجهل وفي كثير من الأحيان عدم الإكتراث... ولكن أليس هذا إقرارًا بأنَّ الصَّلاة تتصل بجوهر الحياة؟؟ فإنـَّنا أمام الأُمور الجوهريَّة فقط نقف مثل هذه المواقف، ونشعر بأنَّ الأمر يخصُّنا في العمق، وبالتالي نميل دومًا إلى التهرُّب منه.

        ألحقيقة يجب الإقتراب من الصَّلاة بروح صلاة، وأنَّ الكلام نفسه الذي يصف الصَّلاة يجب أن يكون ثمرًا لها، فالصَّلاة هي فعل حياة، لذلك نتساءل ما هي الصَّلاة؟ وكيف ينبغي أن تصلـِّي؟ وما هي علامات الصَّلاة وصعوباتها وثمارها؟ ولكنـَّنا نحسّ جميعًا بأنَّ الجواب الصَّحيح لا يمكن أن يصدر إلاَّ عن الصَّلاة عينها.

        فالعبارة الصَّحيحة والحقيقيَّة هي" صلِّ، والصَّلاة نفسها تعلـِّمك الصَّلاة". إنـَّها تحمل معها دائمًا غناها الخاصّ ونورها وغلبتها: لأنـَّنا بها وحدها نأتي إلى لقاء الله ونتقبَّله فينا ويتقبَّلنا فيه. وهذا من شأنه أن يفهمنا لماذا الصَّلاة هي العمل البشري الأكثر بساطة وسهولة ومباشرة، وفي الوقت نفسه هي من الأعمال الأكثر جدِّيَّة وعمقـًا وصعوبة. إنـَّه لأمر سهل أن نصلـِّي لأنَّ ذلك لا يتطلـَّب توفـُّر شروط مسبقة، لا من حيث الزَّمان ولا من حيث المكان. وفي كلّ مكان نحن أمام الله، أمام إله  حاضر ليصغي إلى صلاتنا: فيكفي أن نتركها تصعد من أعماق نفسنا لتشهد لحضورنا أمام عجب وجدّ الحياة الآتية من الله. فنحن لا نستطيع أن نرضي ضميرنا إذا جعلنا صلاتنا فرضًا آليًّا مقصورًا على بعض أوقاتنا، منفصلاً عن بقيَّة حياتنا. حصَّة الله هي الكلّ: وبهذا نقترب من الوجه الصَّعب في الصَّلاة. لأنـَّنا من أيَّة زاوية نظرنا إليها وجدناها تبقى قبل كلّ شيء لقاء مع الله: واللـِّقاء يعني مبادلة وفي الوقت ذاته مواجهة. والإنسان من جهة والله من جهة أخرى بل الإنسان الحيّ والإله الحي: ففي الصَّلاة ينفتح الواحد للآخر فيعطي ذاته للآخر، وإذا كان الله في الواقع يقدِّم ذاته قربانـًا كلـِّيًّا منذ الدَّهر لتكون للعالم حياة، فهل نحن في الواقع مستعدُّون "للخروج من أنفسنا" والسَّعي للقاء هذا الإله الذي تصدر منه الدَّعوة إلى الصَّلاة؟ فإذا كانت الصَّلاة عطيَّة الله وعطيَّة الحياة فهي تفترض جوابنا عينه بل هي جوابنا ننسجه بصبرنا وكدِّنا وألمنا وفرحنا وبكلمة واحدة، للصَّلاة وجه جهادي يحقـِّق للإنسان أن يكبر  إلى قامة الله ويصير اهلاً لنوال بركته؟ إنَّ الذين يعيشون بركة الصَّلاة يذوقون الفرح والمشقـَّة كليهما.

لهذا إذا رغبتَ أن تصلـِّي فأنت تحتاج إلى الله الذي يهب الصَّلاة للمصلـِّي، فادعه إذًا، وإذا توخَّيتَ الصَّلاة لا تأتِ أيّ عمل يتنافى وإيَّاها لكي يقرِّب الله ويسير معك. وبالتالي الصَّلاة تختلط بصورة حميمة خفيَّة مع كلّ حياتنا، وخاصَّة مع موقفنا من إخوتنا: أي جميع الـنـَّاس. فالطريق الأقصر نحو الله ونحو أنفسنا يمرّ بهذا الموقف. نحن نصلـِّي إذًا عندما نترك الصَّبر والوداعة والمحبَّة تنسكب في كلّ مناسبة ومن أجل الجميع ولذلك يقول أحد الآباء القدِّيسين:

 

" ألصَّلاة هي ابنة للوداعة وعدم الغضب".

" ألصَّلاة ثمرة الفرح والشُّكر"

"ألصَّلاة إقصاء للحزن وثبوط العزيمة"

"ألصَّلاة تقوِّي التصاقـنا بالله"

 

فالذي يصلـِّي حقـًّا لا يقدر أن يتوقـَّف كثيرًا عند ذاته: بل يعبِّر ذاته ويقرِّب نفسه لله ولأخوته، إنـَّه يوسِّع صلاته ليدخل في النـَّدامة المتوجِّعة والشّعور المنسحق بالخطيئة. فالصَّلاة تتطلـَّب الإنتباه والحزم والثـَّبات وتشترط المحبَّة الأخويَّة النـَّقيَّة. فكلّ مَن تاق أن يصلـِّي حقيقة يجب لا أن يسود على الغضب والشَّهوة والحسد بل أن ينزع عنه أيضًا كلّ فكرة فيها هوى. فمَن يتوق إلى الصَّلاة الحقيقيَّة ويغضب أو يحقد، يقيم الدَّليل على اختلال عقليّ: إنـَّه يشبه امرؤًا يريد أن يكون ذا نظر ثاقب، ويقلع عينيه. فإذا توخَّيتَ الصَّلاة لا تأتِ أي عمل يتنافى وإيَّاها لكي يقرِّب الله ويسير معك. فلن تستطيع اقتناء الصَّلاة النـَّقيَّة إذا كنت مرتبكـًا بأُمور مادِّيَّة ومضطربًا لهموم مستمرَّة، فالصَّلاة هي طرح الأفكار. فعليك أن تحفظ نظرك منخفضًا أثناء الصَّلاة، ناكرًا جسدك ونفسك لتعيش وفق الرُّوح.

 

3- ألله يسمع صلاتي

        ألقدِّيسة تريزا الطـِّفل يسوع فتحت أمامنا طريقـًا علـَّمتنا به كيف نصل إلى إلإيمان والرَّجاء في روح الطـُّفولة وهي تشعر فيها بأنَّ كلّ شيء مستطاع عند الله، لأنـَّها كانت تؤمن بأنـَّه يحبُّها حبًّا يجعلها تثق بالتأثير في قلبه. فكانت تقول:" إنَّ الله قدير حقـًّا وإيماني أيضًا قدير به. وأنا على ثقة بأنـِّي أقوى على كلّ شيء لقدرتي على قلب الله بالصَّلاة والإستغاثة به. ولكنَّ المسألة تقوم على أن أعيش فعلاً هذه الثـِّقة وذلك الرَّجاء فيصبح هذا اليقين حيًّا في حياتي، يجري في كياني ببراءة الطـِّفل وسذاجته وبعدم إدراكه أيضًا. وحينئذٍ تحدث المعجزة دون أن أدري كيف تحدث. وعدم درايتي هذه تجعل السَّاعة ساعة  الله وتدبيره، إذ لو كانت لي الدِّراية لظلّ الأمر في الإطار البشريّ".

        نعم، الصَّلاة في عمقها دعاء وفرح ورجاء. فالله قريب وهو يسمعني حين أُصلـِّي:

 

إنـِّي أدعوك فاستمع لي

إنـِّي أتضرَّع إليك فانصِت إليّ

إنـِّي أصرخ إليك فاستجب لي

 

نعم، إنـَّه يسمعني وليست صلاتي صرخة في بطن وادٍ أو نداءً في صحراء، بل الله يسمع كلّ همس أدعوه به. وبهذا الإيمان لا تكون صلاتي مجرَّدصرخة ألم وانين، بل نداء ثقة ويقين، صادر بهدوء وإطمئنان إلى الرَّبّ يسوع قائلاً: لقد حرتَ في الطريق، إنـَّه طريق مسدود وليس فيه أي أمل، فعليك أنتَ أن تعمل. وهذا ما نسمِّيه صلاة الرَّجاء. فالرَّجاء فضيلة مسيحيَّة إلهيَّة تسمو على الإمكانيَّات البشريَّة ولها في الله علـَّتها وموضوعها ومعناها وفاعليَّتها. فالرَّجاء يقتضي أن يؤمن الإنسان بالمعجزة. فالمعجزات حقيقة أي تحقـِّق المستحيل . وعندما نقول مستحيل، يعني أنَّ الله يحلّ محلّ الإنسان وأنَّ حدودي أنا كإنسان قد انتهت إلى هنا. وعندئذٍ يبدأ مجال الله ، لأنَّ الله هو ربّ المستحيل. فحياة الإنسان المسيحيّ مبنيَّة على قدرة الله لا على قدرة الإنسان. لذلك فهي مجازفة ورهان على شيء اسمه المستحيل". فالرَّجاء هو إذن سلوك قوَّة داخليَّة وإنتصار أكيد وسلوك حرِّيَّة إزاء طوارئ الحياة، لأنـَّه سلوك بُنِيَ على المسيح.

 

4- الصَّلاة لقاء وعلاقة

        من المهمّ أن نتذكـَّر أنَّ الصَّلاة لقاء وعلاقة، علاقة حميمة. وأنَّ هذه العلاقة لا يمكن أن تـُفرَض، سواء علينا أو على الله. فواقع الله يستطيع أن يعطينا الشُّعور بحضوره أو أن يتركنا نشعر بغيابه، يشكـِّل جزءًا من تلك العلاقة الحيَّة والحقيقيَّة. ولو استطعنا أن نستدعي الله بصورة آليَّة وننبِّهه لضرورة الحضور إلينا، لا شيء إلاَّ لأنـَّنا اخترنا هذه السَّاعة للقاء، إذ ذاك لا يعود هناك أيَّة علاقة أو لقاء... لذلك كلّ علاقة يجب أن تولد وتنمو في مناخ الحرِّيَّة المتبادلة. ولو نظرنا إلى الطـَّابع التبادلي للعلاقة، لأدركنا أنَّ لدى الله أسبابًا للشَّكوى ممَّا لدينا. نشكو من أنـَّه لا يحضر إلينا خلال تلك الدَّقائق التي نخصِّصها له، فما بالنا بثلاث وعشرين ساعة ونصف قد يطرق الله بابنا خلالها ونجيبه " آسف، أنا تعِب!" أو لعلـَّنا لا نجيبه أبدًا لأنـَّنا لا نسمعه وهو يطرق على باب قلبنا وعقلنا وضميرنا وحياتنا. هناك ظروف عديدة إذًا لا يحقّ لنا فيها التذمُّر من غياب الله إذ نكون نحن أكثر غيابًا منه.

 

5- ألصَّلاة لقاء مواجهة مع الله

        لا يسعنا أن نلاقي الله في الصَّلاة أو ألتأمُّل أو الرُّؤيا إلاَّ لخلاص أو دينونة. ذلك لا يعني أنَّ الله قد أصدر حكمه باللـَّعنة الأبديَّة أو الخلاص الأبدي. لكنـَّها في كلّ الأحوال لحظة حرجة نعيشها أو أزمة نتخبَّط فيها. ولقاء الله مواجهة في الصَّلاة يعبِّر عن لحظة حاسمة في حياتنا. وبوسعنا أن نشكر الله لأنـَّه لا يحضر دائمًا إلينا كلـَّما رغبنا في لقائه، فلعلـَّنا لا نكون قادرين على تحمُّل هذا اللـِّقاء. لنتذكـَّر مقاطع عديدة وردت في الكتاب المقدَّس تتحدَّث عن مدى الخوف من المثول أمام الله، لأنَّ الله كلـِّي القدرة ولأنَّ الله هو الحقّ ولأنَّ الله هو الطـَّهارة اللاَّمتناهية. فالله رحيم لا يظهر في ساعة غير مناسبة. ويمنحنا القدرة على محاسبة ذواتنا وعلى فهم الأُمور، وعلى أن نمثل أمامه في لحظة قد تؤدِّي لإدانتنا.

فعلى صفحات الإنجيل نرى أُناسًا أعظم منـَّا تردَّدوا في استقبال المسيح. تذكـَّروا قائد المئة الذي رجا المسيح أن يشفي خادمه، فأجابه المسيح:" سآتي" لكنَّ القائد هتف:" لا. قلْ كلمة واحدة فقط وسيُشفى خادمي" فهلاَّ فعلنا مثله؟

ولننظر إلى بطرس في زورقه بعد رحلة الصَّيد العجائبيَّة هو يجثو على ركبتيه ويقول:" إبتعد عنـِّي يا ربّ فأنا إنسان خاطئ:" لقد هزَّه شعور التواضع فتوسَّل إلى المسيح أن يبتعد، أحسَّ بخشوعه لأنـَّه اكتشف فجأة عظمة يسوع، فهل حدث لنا الشَّيء نفسه أحيانـًا؟ وحين نقرأ الإنجيل وتبدو لنا صورة المسيح في خلالها، وحين نصلـِّي وندرك عظمة الله وقداسته هل حصل أن قال واحدنا:" أنا لا أستحقّ أن تقترب إليَّ؟"

هذا حتـَّى لا نذكر المرَّات العديدة التي ينبغي لنا أن ندرك أنَّ الله لا يستطيع أن يأتي إلينا لأنـَّنا لسنا حاضرين لاستقباله. نحن ننتظر شيئًا منه ولا ننتظره هو! تسمِّي هذه علاقة؟ هكذا نتصرَّف مع أصدقائنا؟ هل نبحث عمَّا تجلبه لنا الصَّداقة أو صديقنا هو الذي نحبّ؟ أعَلى هذا النـَّحو نتصرَّف مع الرَّبّ؟

فكـِّروا بصلاتنا، بصلاتكم وصلاتي. فكـِّروا بحرارة هذه الصَّلاة وعمقها وحدَّتها حين تقيمونها من أجل إنسان تحبُّونه أو بالنـِّسبة لأمر هام عندكم. كم ينفتح قلبكم؟ كلّ حياتكم الدَّاخليَّة تستجمع نفسها؟ أمِن أجل هذا يُقال أنَّ الله موجود في حسابكم؟ كلاَّ! هذا يعني فقط أنَّ الغرض وراء صلاتكم هو ما تحسبون له الحساب. والواقع أنـَّه حين تفرغون من صلاتكم المفعمة بالمشاعر الحارَّة والمدوِّية من أجل أُولئك الذين تحبُّونهم أو بالنـِّسبة لذلك الشِّيء الذي يهمَّكم، وحين تنتقلون إلى أمر آخر أقلّ لجاجة، فإذا بكم تشعرون بالبرودة تعتريكم، فما الذي يكون قد تغيَّر؟ هل أصبح الله من جليد؟ هل مضى؟ كلاَّ! بل إنَّ وهج صلاتكم وحدَّتها لم تأتيا من حضور الله أو من إيمانكم  فيه، وإنـَّما فقط من التفكير في الشَّخص الذي تحبُّون أو من الشَّيء الذي يشكـِّل موضوعًا لهمِّكم، وليس من التفكير بالله، كيف لنا إذًا في مثل هذا الظـُّروف أن نعجب لأنَّ غياب الله يُعذِّبنا؟ فنحن الذين نجعل أنفسنا غائبين ونحن الذي نصبح من جليد منذ اللـَّحظة التي لا نعود فيه مهتمِّين بالله لماذا؟ لأنَّ الله لا يوضع كفاية في الحسبان! بوسع الله أن يكون غائبًا على أشكال كثيرة أُخرى. وطالما نحن موجودون حقـًّا، وطالما نحن أنفسنا فإنَّ الله يستطيع أن يحضر إلينا ويعمل شيئًا من أجلنا. ولكن ما نحاول أن نكون غير ما نحن، فلا يبقى لنا شيء للقول أو التحقيق. ونصبح بمثابة شخص وهميّ ونعبِّر عن حضور غير حقيقي، لا يستطيع الله أن يقرِّبه.

وحتى نكون قادرين على الصَّلاة، ينبغي أن نضع أنفسنا في موقف هو كمملكة الله. ويجب أن نعترف بأنَّ الله هو الله وأنـَّه ملِك وأنـَّه علينا تسليم أنفسنا له. على الأقلّ يجب أن نهتمّ بمشيئته إذا لم نكن بعد قادرين على تنفيذها. أمَّا إذا عاملنا الله كما عامَله الشَّابّ الغنيّ في الإنجيل، الذي لم يكن قادرًا على اتـِّباع الرَّبّ بسبب وِفرة أمواله، فكيف يمكننا لقاء الله؟ وإذا كنـَّا نتوخَّى معظم الأحيان- عن طريق الصَّلاة والعلاقة الحميمة بالله- أن نؤمِّن حقبة جديدة من السَّعادة ليس أكثر، فنحن غير مستعدِّين لبيع كلّ ما نملك من أجل أن نبتاع اللؤلؤة الباهظة الثـَّمن. إنَّ لنا الحصول على هذه اللؤلؤة في ظروف كهذه؟ بل هل نرغب في مجرَّد العثور عليها؟ من المعلوم في العلاقات الإنسانيَّة أنـَّه حين يكون الرَّجل والمرأة متحابَّين يحسبان حساب الآخرين على النـَّحو نفسه. ويعبِّر العالم القديم عن الأمر بهذه العبارات: "حين يتـَّخذ الرَّجل إمرأة، فلا يعود محاط برجال ونساء وإنـَّما بجمهور لا إسم له".

أوليست هذه حالنا، بل أو ليس هكذا يجب أن تكون حالنا حين نتـَّجه نحو الله؟ ألا يجب أن تفقد ثرواتنا كلّ ما لها من بريق وأن نحكـَّها حكـًّا فلا تبقى سوى قاعدة يبرز من خلالها بوضوح الشَّخص الذي نـُعنى به فقط؟

والصَّحيح القول أنَّ نقطة انطلاقنا إذا نحن شئنا أن نعرف كيف نصلـِّي يجب أن تكمن في يقيننا بأنـَّنا خطأة بحاجة إلى فداء، وبأنـَّنا منقطعون عن الله وبأنـَّنا لا نستطيع أن نحيا بدونه. كما يجب أن نكون مقتنعين بأنَّ كلّ ما نستطيع تقديمه لله إنـَّما هو رغبتنا الولهى في أن نسلـِّمه أنفسنا بحيث يستطيع أن يتقبَّلنا تائبين وأن يستقبلنا في واسع رحمته وحبِّه. لذا فإنَّ الصَّلة هي في الحقيقة ومنذ البداية إرتقاء يضيء نحو الله، هي لحظة نتـَّجه فيها إليه بدون أن نجرؤ على الإقتراب منه لأنـَّنا نعلم أنـَّه لو لاقيناه قبل الأوان أي قبل أن تأخذ نعمته الوقت الكافي لإعدادنا لهذا اللـِّقاء فسيكون الأمر بالنـِّسبة إلينا كساعة الدَّينونة. وكلّ ما نستطيع أن نعمله هو أن نتـَّجه إليه بكلّ ما أوتينا من قدرة على الإقدام والإجلال والعبادة والخطيئة، فبكلّ ما فينا من انتباه وجدِّيَّة وأن نسأله أن يفعل فعله فينا كي نستطيع لقاءه وجهًا لوجه، لا لدينونة ولا لمحاكمة بل لحياة أبديَّة.

 

6- الصَّلاة التي علـَّمها يسوع

ألصَّلاة هي صلة، هي إقامة علاقة مع الله. وأجمل علاقة أُقيمت مع الله هي العلاقة التي أقامها يسوع المسيح وعلـَّمنا الصَّلاة. إذ أصبح معلـِّم صلاة بامتياز، وهي الصَّلاة الرَّبيَّة ( أبانا الذي في السَّماوات...) هذه الصَّلاة التي تغنـَّى بها عظماء القدِّيسين، إذ أنـَّها صلاة تسبيح وتمجيد وبنفس الوقت صلاة استعطاف ورحمة ومغفرة.

فهي ذروة ما توصَّلت إليه البشريَّة من صلوات، إذ أنـَّها علاقة بنويَّة بين الله والإنسان مبنيَّة على الثـِّقة والحبّ والحنان. فيطلب منه أحد التلاميذ:" يا ربّ، علـِّمنا أن نصلـِّي" علـَّم يسوع المسيح هذه الصَّلاة الرَّبيَّة وأصبح أعظم معلـِّم على الإطلاق وهو لم يعلـِّمها لتلاميذه على صعيد الكلام فقط، وإنـَّما عاشها وجسَّدها في حياته إلى حدٍّ أنـَّه بذل نفسه في سبيل الشَّهادة لهذه الصَّلاة، إذ أنـَّه أطاع أباه حتى الموت، يا ربّ لتكن مشيئتك لا مشيئتي. وهي جزء من هذه الصَّلاة . كما أنـَّه غفر لقاتليه, هو الذي لم يقترف ذنبًا. وهي تجسيد طلب الغفران:" أعفينا ما علينا فقد أعفينا نحن أيضًا مَن لنا عليه"( متى 6/ 12) فالغفران في هذا الإطار هو النـِّعمة بكلّ معنى الكلمة.

وهناك فرق ملحوظ في هذه الصَّلاة فيما بين إنجيل متى وإنجيل لوقا . فهذه الصَّلاة في إنجيل متى تحتوي على سبع طلبات، بينما في إنجيل لوقا على خمس طلبات ونحن سنركـِّز على الطـَّلبات الموجودة في إنجيل القدِّيس متى.

فالرَّقم سبعة هو عدد كامل، وهناك سبعة أيَّام في الأُسبوع، فلكلّ يوم نجد طلبة في هذه الصَّلاة: فليوم الأحد، الطـَّلبة الأُولى:" أبانا الذي في السَّماوات ليتقدَّس اسمك".

لأنَّ هذا اليوم مكرَّس لتسبيح اسم الله.

- يوم الإثنين: " ليأتِ ملكوتك". إنَّ هذا النهار نهار عمل. فصلاتنا تنظر أيضًا إلى تكريس العمل وإلى تجسيد الملكوت في عملنا.

- يوم الثلاثاء: " لتكن مشيئتك كما في السَّماء كذلك على الأرض". فبعد إصعاد التسابيح في نهار الأحد والنـَّظر إلى العالم يوم الإثنين، في هذا اليوم ننظر إلى عمق أعماقنا لكي تتمّ مشيئة الله فينا.

 

- يوم الأربعاء: " أعطنا خبزنا كفاف يومنا"، إنَّ هذا اليوم يقع في وسط الأُسبوع والطـَّلبة هي في نصف الصَّلاة. والطـَّلبات الثلاث الأولى تعبير عن الشَّوق لمجيء الله، تقديس اسم الله ومجيء الملكوت وتعميم مشيئة الله. والطـَّلبات الثلاث التي تأتي في القسم الثاني تعبير عن مواجهة تحقيق هذه الطـَّلبات.

- يوم الخميس: " إغفر لنا ذنوبنا وخطايانا كما نغفر لمَن خطئ إلينا". وفي هذا اليوم ننظر إلى الضُّعف الذي حلَّ بنا أو النـَّقص في الأيَّام الماضية.

- يوم الجمعة: " لا تـُدخلنا في التجارب". فبعد مغفرة الخطايا التي ارتـُكِبت في السَّابق ننظر إلى المستقبل ونطلب من الله أن يأخذنا بيدنا إلى القيامة.

- يوم السَّبت: " نجِّنا من الشِّرِّير". هكذا أُسبوعنا يبدأ بتسبيح الله وينتهي بطلب النـَّجاة من الشِّرِّير. فيسوع المسيح يعلـِّمنا أن نحوِّل حياتنا كلـَّها إلى صلاة.

 

فيسوع علـَّم هذه الصَّلاة لاتـِّباعه، وكلّ مَن يؤمن به. فالنـَّتيجة تحتـِّم على التلاميذ التـَّوقير والطـَّاعة ومختلف الخدمات المترتـِّبة على التلميذ نحو المعلـِّم. وما يُلفِت النـَّظر في الإنجيل أنَّ التلميذ لا يختار معلـِّمه بل المعلـِّم يدعو التلاميذ وهم يلبُّون النـِّداء بطاعة فوريَّة، عادة ً، دون تردُّد. والقدِّيس متى في إنجيله يظهر كيف كانت الجموع تتبع يسوع لأنـَّها شعرت فيه ذاك المعلـِّم المميَّز ليس كما في معلـِّمي المجمع الرَّسميِّين.

ونجد كثيرًا من القدِّيسين الذين كانوا يتأمَّلون في يسوع المسيح المصلوب، إذ أنَّ البعض رأى فيه وهو على الصَّليب بين الحياة والموت، إنـَّه يصلـِّي. فهو يصلـِّي لأجلنا ولأجل الكنيسة جمعاء. ونجد وجه شبه كبير في هذا الوضع بينه وبين موسى الذي كان يصلـِّي أثناء المعركة. فكان كلـَّما رفع يديه ينتصر يشوع وكلـَّما كلـَّت يداه يخسر يشوع. فعلى الصَّليب نرى يسوع دائمًا رافعًا يديه. والكنيسة دائمًا منتصرة على روح الشَّرّ.

فهذا ذروة ما علـَّمه يسوع. ولا يعني أنـَّه علـَّم هذا فقط، فقد علـَّم في شتـَّى المجالات وخاصَّة ً في عظة الجبل. فكلّ ما علـَّم يسوع يقود إلى الخلاص والحياة الأبديَّة. فعلينا أن نبحث ونعتنق ونعيش بحسب هذه التعاليم إذا أردنا أن نكون أهلاً لحمل اسم المسيح.

 

العذراء معلـِّمة الصَّلاة

 

وفي الختام وقفة مُرتدّ على ضفاف بحر حياة أُمِّنا مريم المصلـِّية. فهي خير معلـِّمة ومربِّية في حقل الصَّلاة على اختلاف أنواعها:

 

- صلاة التأمُّل: يقول الإنجيليّ لوقا:" أمَّا مريم فكانت تحفظ هذه الأُمور جميعًا وتتأمَّلها في قلبها".

 

- صلاة التسبيح والشُّكر: في نشيد العذراء الخالد:" تعظـِّم نفسي الرَّبّ وتتهلـَّل روحي بالله مخلـِّصي".

 

- صلاة الطـَّاعة وتسليم الذات: هكذا كان جوابها للملاك في البشارة:" ليكن لي بحسب قولك".

 

- صلاة السُّجود: " مكتوب للرَّبّ إلهك تسجد وهو وحده تعبد: ( متى 4/ 10)

فالسُّجود لله هو أرقى صلاة يؤيِّدها المخلوق للخالق والعذراء القدِّيسة أدَّت هذه الصَّلاة بكلّ خشوع وإحترام.

 

- الصَّلاة المشتركة: في سفر أعمال الرُّسل يذكر القدِّيس لوقا:" وكانوا جميعًا يداومون على الصَّلاة بقلب واحد ومعهم بعض النـِّساء مريم أُمّ يسوع وأُخوته" ( رسل1/14)

 

- صلاة الطلب والمحبَّة: في عرس قانا الجليل، صنع المسيح أوَّل أُعجوبة إذ حوَّل الماء إلى الخمر وكان ذلك بطلب من والدته القدِّيسة. " ليس لديهم خمر". وقد أقدمت العذراء على الطـَّلب بدافع من عطفها وشفقتها على القريب.

 

- صلاة الألم والتضحية: عند أقدام الصَّليب وقفت العذراء وقد غاص رمح الحزن في قلبها.

 

أُمُّنا العذراء أعظم من معلـِّمة  تلقي علينا دروسًا في الصَّلاة. إنـَّها أروع مثال بما تقدِّمه لنا نماذج حياتها المقدَّسة وفضائلها السَّامية. وبما أنـَّها أُمُّنا الحنون فإنـَّها تشفع فينا إذا انتدبناها والتجأنا إليها في جميع ظروف حياتنا. ومن المؤكـَّد أنَّ العذراء هي أقرب الـنـَّاس إلى المسيح، فلهذا يمكنها أن تعلـِّمنا كيف نعيش نحن أيضًا مع المسيح فتكون حياتنا كلـُّها صلاة وسعادة.

 

في ظلّ حمايتك نلتجئ يا مريم...                               

                                                                                   الخوري يوسف خوري

 

                                                                                

 

   

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية