من بداية إلى بداية

 

 

 

 

من بداية إلى بداية، سنة طقسيّة جديدة تقودها استراتيجيّة الحبّ!

 

من أقدم ما شغل فكر الإنسان شيئان: البحث عن الله ومراقبة الحركات الطبيعيّة المتكرّرة والتي لا تتوقّف، هذا ما جعله يشعر ما معنى الأبديّة. فالبحث عن الله يكمن في البحث عن أصوله، وعن مصدره، أمّا الدورات المتكرّرة التي لا تتوقف مثل حركة الشمس، فهي تعطي الشعور بارتباط هذه الحركة بالحياة الأبديّة، أو بالحياة التي لا تنتهي. هل من حياة لا تنتهي؟ هل من عالم لا يشيخ ولا يعبر؟ ما هو الزمن؟ ما هي السنة؟ هل السنة الزمنيّة مثل السنة الدينيّة؟ وما الفرق بينهما؟

 

من السنة الطبيعيّة إلى السنة الإنسانيّة حتى الإلهيّة

السنة الطبيعيّة تشبه الدورة الطبيعيّة. وحده الذي يصنع منها سنة هو الإنسان الذي ينظّمها ويُعطيها المعنى الذي يجعل ذهابها وعودتها ذات معنى متّصل بحياة الإنسان ومشاغله. والسنة الإنسانيّة هي التي تقسّم السنة بحسب المواسم، أو الأحداث، أو العبادات أو عوامل الطبيعة. وكثيرًا ما يرتبط هذا التقسيم بالأديان وبأحداث الليتورجيّا. ففي أيّام الرّومان كان هنالك السنة الحيّة التي يحيا فيها الإنسان أحداث حياته ونشاطاته، من زراعة وعمل وتجارة وغيرها، وأيضًا الحروب؛ والسنة الميتة التي هي الشتاء ولا يستطيع أن يفعل بها شيئًا. فهل عندنا نحن هي كذلك؟ حتمًا لا. عند الرومان لم تكن العبادة داخليّة في القلب، بل كانت خارجيّة مرئيّة ومرتبطة بالحواس. نحن دخلنا مع إبراهيم والآباء والأنبياء إلى القلب والرّوح مع بقاء ارتباطها بالبعد الحسّي، كخيمة الجماع، أو الهيكل، حيث يسكن الله، أمّا مع المسيح فقد عبرت عبادة الله نهائيًّا إلى الرّوح والحقّ، كما يقول ذلك بئر يعقوب مع المرأة السامريّة.

 

فهذا العبور هو عبور حاسم من الحواس إلى القلب والإنسان الداخليّ. لقد اختبر الشعب العبراني شيئًا من هذا مع الأنبياء، ولكنّه مع يسوع بات هو القاعدة بالمعنى المُطلق، ونحن نحاول أن نثابر في نهجه، مع بعض النجاحات والإخفاقات. لا زال الإنسان إنسانًا. كان المسيح الذّروة. صعد صوبه العهد القديم، وانحدر منه العهد الجديد. من قمّة الجلجلة أطلَّ على التاريخ برمّته في ماضينا ومستقبلنا، وكلاهما بالنسبة إليه حاضر دائم. لقد ثبّت في شخصه الزمن وأدخله في حاضر الله الدائم، لذلك هو مخلّص الزمن العابر في الحاضر الدّائم المرتبط بشخصه الإنسانيّ-الإلهيّ. فالزمن الإنسانيّ تحوّل مع المسيح إلى زمن إلهي. وهكذا فالسنة الزمنيّة تحوّلت فيه إلى سنة إنسانيّة وإلهيّة، ودخلت في معيار السنة الإلهيّة الخلاصيّة، السنة المقبولة لدى الرّب كما يقول أشعيا النبيّ. ما الذي دفع المسيح إلى إخلاء ذاته وإلى أن يصير إنسانًا؟ أليس الحبّ؟ حبّ من؟ هل نستطيع أن نتصوّر إلهًا يموت لأجل خليقته؟ ما هذا الحبّ الذي يخترق كلّ المفاهيم؟ هل للحبّ منطق معه؟

 

 

السنة الطقسيّة المسيحيّة (المارونيّة)

إنّه زمن المسيح، منذ الإنتظار حتى الوصول. كلّ شيء مرتكز على محبّة الله اللّامحدودة للإنسان. ما الذي دفع بالمسيح إلى أن يصبح إنسانًا؟ ابتعاد الإنسان في الضلال لدرجة أنّه بات في خطر القضاء على نفسه بالهلاك. إنّها حياة المسيح الممتدّة على تدخّله ووجوده في التاريخ على هذه الأرض، منذ الوعد به حتى البشارة به بعد صعوده إلى السماء.

 

هنالك، بحسب الطقس المارونيّ، زمن تقديس البيعة وتجديدها وهو بمثابة زمن الانتظار للإستعداد لزمن الميلاد، الذي بدوره يحتوي على آحاد الانتظار كأحد بشارة زكريّا، وبشارة العذراء، وزيارة العذراء لنسيبتها أليصابات، ثمّ أحد ميلاد يوحنّا المعمدان وختانته، أحد البيان ليوسف، ثمّ أحد النسبة، وأخيرًا عيد الميلاد، ووصول إبن الله عبر مغارة بيت لحم إلى أرضنا خارج أحشاء مريم. بات في أحشاء مريم. بات في أحشاء الكون المتمثّل بمغارة بيت لحم. هذه أول مرحلة من السنة الطقسيّة، وتأتي بعدها مرحلة الدّنح، التي تلي الميلاد، وبينهما وجود المسيح في الهيكل. ثمّ تأتي آحاد التذكارات الثلاثة التي تسبق الصّوم الكبير. وبعد الصّوم يأتي أسبوع الآلام فالقيامة. يختم زمن القيامة أحد العنصرة الذي يلي صعود المسيح إلى السماء بعشرة أيّام. وبعد العنصرة زمن الكنيسة وحمل البشارة إلى العالم، ويُقال له الزمن العادي، وينتهي في 14 أيلول عيد الصّليب. وبعد عيد الصّليب تأتي آحاد الزمن النهيويّ ويمثّل نهاية السنة الطقسيّة، ويليه بدء السنة الطقسيّة الجديدة التي تقرّبنا في الجدليّة الحلزونيّة التصاعديّة نحو سلّم الصعود صوب نهاية الأزمنة، أو إلى السّماء. ما عنوان كلّ هذا المسار؟

 

 

الحبّ النامي الحلزونيّ

نحن في سلسلة ذات حلقات تنطلق من يسوع المسيح المتجسِّد من مريم البتول، لترتقي وتعانق يسوع المنتظِر وصولنا في نهاية الأزمنة واكتمالها، بحلقتها الحلزونيّة الأخيرة في الحاضر الإلهيّ الدّائم، قمّة التاريخ وهدفه. كلّ سنة هي حلقة في السلسلة التاريخيّة التي تقودنا إلى الهدف في تصاعد حلزوني نامٍ في مدرسة الحبّ المرتكزة على الصّليب الذي هو محور التاريخ ويتمركز في وسط الدّنيا بين شجرة الحياة الفردوسيّة وشجرة الحياة الأورشليميّة في الفردوس الجديد.

 

لقد خطّيتَ يا يسوع سطور أسطورة الحبّ هذه بدمك. لم يكن لك قلم ولا دواة ولا ورق بردي ولا جلد ولا خزف ولا لوحات حجريّة. كان جسدك هو هذه الدّواة وقلبك المحبرة ودمك الحبر وحربة لونجينوس الريشة التي كتبتَ بها نصّ صكّ تحريرنا، وكان صدرك هو الصفحة الخالدة التي دوّنتَ عليها نصّ الحبّ وعيناك نهرا الحياة والنّور اللذين يتدفّق منهما الوجود، وإكليلكَ الشوكيّ حارس المجد الذي وهبتنا إيّاه حين أخذتَ عليك عارنا ووهبتنا مجدك. أحببتنا بشكل لا يمكن أن يفهمه أحد! شعرتُ أن هنالك استراتيجيّة إلهيّة، ملحمة حبّ وعشق لا توصف، أتيتَ يا ربّ لتعمّمها على الأرض وفي التاريخ لتكون استراتيجيّة حرب الحبّ التي تجلّت على الصّليب والتي علينا أن نعمّمها بالتزام حقيقيّ يعمّ كلّ كياننا! معك فهمنا أنّ الحبّ الاستراتيجيّ نامٍ. لا حُبّ من دون نموّ وانتشار ونضوج وتعميم. وهذا النموّ فيه ثبات شديد يرتكز على الحبيب، في التقدّم الواثق نحو السموّ بهذا الحبيب حتى عناق ملء الحياة. حبٌّ ينطلق من نقطة الصّليب المغروز في الأرض والممتدّ الساعدين في الخط الأفقيّ، والمحمول على الخطّ العموديّ المشرئبّ نحو السّماء. يبدأ بنقطة ويتّسع بشكلٍ دائريّ ويكبر ويرتفع إلى أن يصبح كأنّه عاصفة تعمّ الكرة الأرضيّة وتدفق فيضانها على كلّ الأكوان ليكون الحبّ والفرح والصفاء والحقيقة خطّة الكون الاستراتيجيّة في حبّ يضمّ كلّ شيء لنكون كلّنا لك يا يسوع الحبّ.

 

 

الخلاصة

تصبح السنة الطقسيّة الحياة الحلزونيّة في الحبّ الجدليّ بين الثقة والتواضع والحقيقة والحياة والتّوق والشوق حتى تصبح أنت الكلّ في الكلّ! وفراغي الشديد طاقة امتلاء! أنت محور السنة الطقسيّة! وأنا أكون سعيدًا بأن أستقرّ فيكَ وأنظر إليكَ كصديق العريس المخطوف بفرح تألّقك. أريد أن أهتف مع يوحنّا المعمدان: "لكَ أن تنمو ولي أن أنقص!" أنت يا يسوع الإله الوديع ومحور السّماء والأرض، والحبيب الأمين والفادي المخلّص، والصديق الصّادق والنور المظهر الحقيقة، والحياة الأبديّة المتدفقّة من السّماء على الأرض والعائدة بنا إلى السّماء. خطفني حبّكَ من ذاتي لمّا رأيتُكَ أنّك أنت الله، وطرحتُ نفسي فيكَ يا إله حياتي، لتكون أنت وحدك المحيط والبيئة التي أعيش فيها سعيدًا حيث أنتَ! لآتي بالجميع إليكَ وتكتمل ثمار الحبّ التي تفرح قلبكَ الطيّب والوديع! يا ليتني أثق بك يا ربّ بكلِّ كياني كما أنت تثق بي. بفتور حبّي أنا مخجول أمام اضطرام حبّك! أسألك أن تسجّلني في مدرسة حبِّك لأنطلق من ثبات ذاتك وتغيير ذاتي لألتصقَ بكَ! وآتيكَ وترسلني لأغيّر العالم على الرّغم من ضيقِ حدودي، وصغري أمامك، وضآلة طاقاتي، وحدود قدراتي. أنت سيّدي يا يسوع! كلّي لك!.

 

 

أسئلة للتفكير والتأمّل

هل تأمّلتَ السنة الطقسيّة وما ومحورها؟ هل اختبرتَ حبّ يسوع؟ ما الذي تغيّر فيك؟

أيمكن أن تلتقي بيسوع وتبقى كما كنت قبل ذلك؟

هل تدرك ما هي استراتيجيّة الحبّ؟ ماذا تعني حرب الحبّ؟

أأدركت أنّها ليست حرب مدافع، بل حرب انتصار على الذات؟ على الحقد والحسد والنميمة والأنا؟ أنّها حرب كفاح وجهاد لننتصر على خطايانا وصفاتنا السيِّئة؟

ما الذي تغيّر فيكَ منذ ما التقيتَ بيسوع؟ أتجرؤ أن تحدّد أسوأ صفة فيك وتقرّر تغييرها؟  أتجرؤ أن تبدأ الآن؟

 

 

المطران إلياس سليمان

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية