يسوع والسامريّة

 

 

 

 

يسوع والسامريّة

 

يستوقفنا يسوع كالعادة بتجاوزه الحدود الاجتماعيَّة والدينيَّة، التي طالما شكّلت حاجزًا بين الناس. هو يتكلّم مع امرأةٍ، وزِد على ذلكَ أنَّها سامريَّة، وهي التي تُعتبرُ عدوَّةً لليهود نظرًا لانتمائِها السامريّ. في هذا المشهد الرائع يتعمَّد يسوع خلخلة الحروف والشرائع، وتغيير المقاييس والنواميس ليقترب من الإنسان ويقرِّب الإنسان من الله الآب بقوَّة الروح والمحبَّة.

 

تعِبَ يسوع من المسير، وهو ربُّ المجد والقوَّة. هو ماء الحياة، يطلب ليشرب، "أعطني لأشرب"، ما هذا التناقض؟! أيطلب النبع ماءً؟! نعم !!! إنَّه يطلب الإنسان ليحرِّره من عبوديَّة الخطيئة والصفة. يريد أن يرفعه إلى مستوًى روحيٍّ أرفع من الدلو والحبل والبئر العميقة.

 

دار حوارٌ بين يسوع والمرأة السامريّة، استدرجها من خلاله لتعترف بحقيقة المسيح، وتتحرَّر من أخطائِها وزيجاتها غير الشرعيَّة. أصبحت مبشِّرةً على مثال المجدليَّة بعد رؤيتها يسوع القائم من الموت.

 

لقاء يسوع بالسامريَّة يجمع الخالق بالمخلوق، وكم هو طويل الأناة هذا الإله المحبُّ العظيم. أرادت المرأة العودة إلى الجذور، إلى يعقوب، إلى الماضي، هي تنسحب لتختبئ بين صفحات الشريعة والأنبياء والكتب، وهو يشدُّها من يدها حتى تشرب من ماء الحياة، من الوصيَّة الجديدة، من العهد الجديد، يدعوها لتواجه ضعفها بقوَّةٍ وجرأة، وحتّى لا تعطشَ أبدًا. فالشريعة حلولها مؤقّتةٌ وقاسية، أمَّا شريعة يسوع فينبوعٌ وأنهارٌ لا حاجة فيها للدلو والحبال، لأنَّها من جوف المسيح تنبع إلى جوف الإنسان تُفضي وتعود.

 

تدعونا الكنيسة اليوم إلى البحث عن الينبوع الحقيقيّ، ينبوع الحبِّ الذي لا ينضب. يقول القدِّيس أوغسطين عن الحبِّ الإلهيّ: "عندما وجدتُكَ بحثتُ عنك"، فمن يجد الماء الحيَّ لا يكتفي من رشفةٍ واحدة، بل يطمح إلى المزيد والمزيد ليرويَ ظمأهُ الروحيّ. هذا ما تحُثنا عليه الكنيسة، أن نتقدَّم في علاقة الحبِّ مع يسوع، الذي بدوره يكشف لنا حقيقة الملكوت يومًا بعد يوم. نحن نبحث عن الله وهو يبحثُ عنّا، لذا فإنَّ يسوع كان وما يزال في مسيرة بحثٍ دائمةٍ وتفتيشٍ مستمرٍّ لكي لا يهلك أحدٌ من الذين يؤمنون به وبمشروع مَن أرسله.

 

الأب يوسف فخري

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية