نشأة الكنيسة المارونيّة

 

نشأة الكنيسة المارونيّة

 

 

 

بَرَزَ دير مار مارون، على نهر العاصي، مهدًا للكنيسة المارونيّة، بفضل "رهبان دير مار مارون" أو "جماعة بيت مارون"، إذ احتضنها حوالي خمسمائة سنةٍ، وفيه انتُخِب بطاركتها وأساقفتها الأوائل، فأمسى المُحرِّك الأوّل ومقرّ النشاط العقائديّ والتنظيم الطقسيّ لَها.


بعد أن أبصر النور "كيانٌ دينيٌّ وثقافيٌّ وحضاريٌّ" خاصٌّ بِهم، نَزَح قومٌ مِن سوريا واعتصموا في المناطق الشماليّة مِن لبنان. مِن المرَجَّح أن يكون النّـزوح قد تمّ، على دفعاتٍ مُتتالية، وفق الاضطهادات الّتي حصلت، إن مِن جانب الدّولة البيزنطيّة عَبْر تاريخها المتقلِّب، أو مِن جهة الفاتح العربيّ. بوصولِهم إلى لبنان، التحموا بالّذين سَبَق وبشّرهم تلامذة مار مارون، لا سيّما في جرود جبيل والجبّة، وبالجماعات السُّريانيّة والبيزنطيّة والوثنيّة، مُكوِّنين معًا، فيما بعد، شعبًا وأمّةً واحدة. "تمَوْرَن" لبنانيّو الجبل مُقتبِلين المعموديّة، فنصّروا مُعتقداتهم وشعائرهم.

ويؤكِّد التقليد أنّهم، ابتِداءً مِن القرن الثامن، أعلنوا يوحنّا مارون بطريركًا عليهم. منذ أوائل القرن الخامس، انتقلت سيادة الجبل اللبنانيّ، تدريجيًّا، مع الرّهبان القدّيسين، مِن البعل "أدون" إلى القدّيس "مارون"، وكِلا الاسمين يعنيان "السيّد"، فانتشرت الأديار والكنائس والمحابس، خصوصًا في وادي قنّوبين (المُلقـَّـب بوادي قاديشا)، ووُلِدت كنيسة ٌ يرعاها بطريرك، غدا الرّئيس الأعلى للأمّة المارونيّة المكوَّنة مِن أبرشيّةٍ واحدةٍ، يساعده أساقفةٌ ومتروبوليتيّون فخريّون.

 

الموارنة والأمبراطوريّة البيزنطيّة
منذ حوالي سنة 450، نَمَت الصّراعات الدينيّة والسياسيّة، فتولّد، لدى الموارنة، حسّ المجتمع الخاصّ، المُنتمي للحضارة الآراميّة السريانيّة والمتميِّز عن المجتمع الروميّ البيزنطيّ، وقد تحوّل ذلك إلى نقمةٍ على بيزنطيا وسياستها المُساوِمة على حرّيّة وسيادة الشّعب المارونيّ.
سنة 609، شَغَر الكرسيّ الأنطاكيّ حوالي 36 سنةٍ، بعدها، عَيَّنَت بيزنطيا بطاركةً غير شرعيّين على أنطاكيا. عام 676، رُقِّي يوحنّا مارون، أحد رهبان دير مار مارون، إلى الدّرجة الأسقفيّة على البترون وجبل لبنان، تزامُنًا مع دخول "المَرَدة" إلى لبنان، عُرِف بسِعة علومه ورسالته التبشيريّة، ولَعِب دورًا في ترسيخ وحدة أبنائه روحيًّا وعقائديًّا، وتنمية المَيْل الاستقلاليّ لكنيستهم. عام 685، انتخبه الشطر الخلقيدونيّ في الكنيسة الأنطاكيّة بطريركًا، بدون الرّجوع إلى بيزنطيا. على أثر ذلك، هاجم الجيش البيزنطيّ دير مار مارون، مقرّ البطريرك، ودمّره وقتل عددًا مِن رهبانه، فتحصّن يوحنّا مارون في سمار جبيل. سنة 694، هَزَم جيش الموارنة نظيره البيزنطيّ، وجعل يوحنّا مارون كفرحيّ كرسيًّا بطريركيًّا دام حواليّ 251 سنة. استتـبّت الأوضاع، فأقام البطاركة تارة ً في كفرحيّ، وطورًا في دير مار مارون بعد ترميمه، لينتقلوا فيما بعد (بين العامين 938 و1440) إلى مرتفعات جبيل (يانوح، ميفوق...) بدون مقرّ ٍ ثابت.
عام 699، تقارَب أبناء مارون والبيزنطيّون، وانتصروا في معركةٍ ضدّ العرب. سنة 750، أَسقط العبّاسيّون الأمَويّين (المُقرَّبين مِن الموارنة والمتردّدين إلى أديرتهم)، فأمْسَت البلاد مسرحًا للنّـزاعات. لذا، قوّى الشّعب المارونيّ الإقطاعيّ الصغير تنظيمه العسكريّ، مُعتصِمًا بجباله الوعرة، مُحَوِّلاً الصّخور إلى جنّةٍ خصبة. كَثُر النسّاك والزهّاد، قاصدين التبطّن في أودية لبنان السّحيقة (وادي قديشا) والإقامة في مرتفعاته الجبليّة النائية. حينذاك، أثارت سياسة العبّاسيّين السنّة الجائرة نقمة الموارنة، مُستقدمة ً قبيلة التنّوخيّين السنّة، الّتي شكّلت أوّل إمارةٍ عربيّةٍ إسلاميّةٍ في لبنان، فانكفأ أبناء مارون مُنشئين مُقدّميّة ً في الجبال الشماليّة وكسروان. تفتّـتـت الدولة العبّاسيّة فتزعّمت الخلافة الفاطميّة الشيعيّة العالَم الإسلاميّ، فارضة ً على المسيحيّين تدابيرَ مُذِلّة، مُهدِّمة ً كنائسهم، عندها، أُرسِلت الحملات الصليبيّة.
مِن المعروف أنّ جماعة ً مارونيّة ً قَصَدت جزيرة قبرص، بسبب مضايقات الخليفة العباسيّ المتوكِّل، منذ النصف الأوّل مِن القرن التاسع.

 

مَن هم"المَرَدة" أو "الجراجمة"؟
ينتسبون إلى "جرجومة"، الواقعة في جبل أمانوس المُشرِف على أنطاكيا وهم مِن الفرْس، معنى اسمهم: الرّجال الأشدّاء. ظَهروا، في النصف الثاني مِن القرن السّابع (660 - 690)، كحركةٍ عسكريّةٍ، في المناطق الجبليّة، قاعدتها الكُبرى لبنان. "لا يُستبعد أن يكون الرّهبان والمرسَلون الموارنة هم الّذين بشّروا الجراجمة (المَرَدة) بالإنجيل وهدَوهم مِن المجوسيّة إلى النصرانيّة" (الأب بطرس ضوّ). لذا، انصهر المردة والموارنة، مستفيدين مِن عوامل مشتركةٍ أهمّها: اللّغة السّريانيّة والحضارة الآراميّة - الفينيقيّة والإيمان المسيحيّ الخلقيدونيّ وقضيّة الدّفاع عن الوجود الحرّ في أرضهم. في تلك الحقبة، تولّى السلطة الزمنيّة أميرٌ يسكن في بسكنتا ويخضع لسلطة البطريرك.

 

الموارنة والصليبيّون (1096 - 1292)
رحّب أبناء مارون بقدوم الصليبيّين، نُظَرائهم في الدين، مُعتبرينهم حلفاء لهم، وأُعجب الوافدون بحياة الموارنة وبطاركتهم، القريبة من بساطة الكنيسة الأولى والمختلفة عمّا اختبروه مع أساقفة الغرب وباباواته آنذاك، فقيل في البطاركة أنّ "عصيّهم مِن خشبٍ أمّا قلوبهم فمِن ذهب". ثـَـبُـتـت صحّة إيمانهم الكاثوليكيّ، فحَفظ لهم الصليبيّون مكانًا ممتازًا في نظام دولتهم اللاتينيّة، بَيْد أنّ ذلك لم يمنع نشوب خلافاتٍ بين الطرفين؛ تحفّظ موارنة المناطق العالية (تحديدًا بشرّي) على الانصياع الكليّ للاّتين، مُتمسِّكين بخصوصيّـتهم الحضاريّة وباستقلاليّة قرارهم، فدفعوا ثمن موقفهم.
سُهِّل للموارنة الالتحام بروما والغرب، واستعاد لبنان دوره كصلة وصلٍ بين الشرق والغرب، فازدهرت العلاقات التجاريّة مع أوروپا.
كذلك، بدعوةٍ خطّيّةٍ مِن قداسـة البابا، حَضَر إرميا العمشيتي (1199 – 1230)، المُقيم في يانوح، المَجمع اللاترانيّ، في 11 تشرين الثاني سنة 1215، وغدا أوّل بطريركٍ مارونيٍّ يزور عاصمة الكثلكة، حيث سُلِّم براءة بابويّة تُـثـبِّـت كرسيّ سيّدة يانوح وكراسي الأساقفة.

 

الموارنة والمماليك (1262 - 1516)
عند خروج الصليبيّين مِن الشرق، رافقهم عددٌ كبيرٌ مِن موارنة لبنان إلى قبرص، هربًا مِن بَطْش المماليك، مكوِّنين مع مَن سبقهم جالية ً مارونيّة ً كبيرة ً فاعلة ً في الجزيرة، يترأّسها مطرانٌ منذ العام 1340.
حاوَل المماليك انتزاع طرابلس مِن يد الصّليبيّين، فتصدّى لهم موارنة الشّمال. سنة 1283، هاجمت العساكر الإسلاميّة جبّة بشرّي، وحاصرت قرية إهدن وأسقطتها، ثمّ اعتقلت وقتلت البطريرك دانيال الحدشيتي، قائد المقاومة، مُتابِعة ً الانتقام والنهب والتدمير.
فيما بعد، هاجم المماليك منطقة كسروان، وأخضعوها بالرّغم مِن المقاومة العنيدة، مُخرِّبين قرى وكنائس وأديرة الموارنة وقرى الشيعة. سنة 1367، هاجم المماليك معاقل الموارنة الجبليّة وألقوا القبض على البطريرك جبرائيل الحجولاويّ (1357 - 1367)، المُقيم في دير سيّدة إيليج في ميفوق، فحوكِم في طرابلس وأُعدِم حرقا.
في تلك الحقبة، استقلّ الموارنة بإدارة شؤونِهم، بعدما أقاموا عليهم سابقًا "مُقدَّمِين" (رؤساء محلّيّين مدنيّين)، يتقدّمهم مُقدَّم بشرّي، يخضعون لسلطة البطاركة. آنذاك، قاومت الكنيسة المارونيّة المدّ اليعقوبيّ في الجبّة، وتفعّل اتّصال أبنائها بالغرب وعلاقة بطريركيّـتهم بروما، خصوصًا عن طريق المطارنة اللاتين المُعيَّنين لرعاية الأجانب في لبنان.
سنة 1440، أرسل البابا أوجانيوس الرابع "رسالة تثبيتٍ ودرع الرّئاسة وتاجًا وبدلة ً جميلة ً" إلى البطريرك يوحنّا الجاجي، ليُصبح تقليدًا مستمِرًّا عند بطاركة الموارنة. ومنذ العام 1445، حظّر الحبر الأعظم، في براءةٍ بابويّةٍ، وَصْف الموارنة بالهراطقة.
سنة 1440، انتقل الجاجي مِن ميفوق إلى دير سيّدة قنّوبين في وادي قاديشا، هربًا مِن المماليك، وبقي هذا الدير مقرًّا بطريركيًّا حتّى أواسط القرن التاسع عشر. لاحقـًا، في عهد البطريرك يوسف حبيش (1823 - 1845)، بُنِي، لأسبابٍ صحّيّةٍ، مركزًا صيفيًّا في الدّيمان. أمّا دير سيّدة بكركي، الّذي بناه البطريرك يوسف إسطفان، فأصبح، وفق ما قرّر مَجمع ميفوق سنة 1780، مقرًّا شتويًّا.
بعد أن استمرّت الكنيسة المارونيّة منفرِدة ً على طاعة روما في الشرق، أطلق الكرسيّ الرّسوليّ على راعيها لقب "بطريرك أنطاكيا"، ليُمسِيَ بطرس الحدثي (1458 - 1492)، منذ العام 1469، الأوّل بين حاملي اللقب.

 

الموارنة والعثمانيّون (1516 - 1918)
بعد انتصار العثمانيّين على المماليك، تخلّف الموارنة عن استقبالهم، واستعانوا بملوك أوروپا للتحرّر مِن النير العثمانيّ، لكنّ مسعاهم باء بالفشل، فتكيّف البطريرك موسى العكّاري مع الواقع. حافَظَت الكنيسة المارونيّة على استقلالها، واستثنى بطاركتها وأساقفتها أنفسهم مِن واجب طلب الفرمان السلطانيّ، مُثبِّتين سُلطة البطريرك داخل طائفته. بموجب رسالةٍ بَعَثها إلى البطريرك المارونيّ سنة 1649، كرّس الملك لويس الرابع عشر حماية فرنسا للموارنة، أتباع الكرسيّ الرسوليّ في الشرق. في تلك الحقبة، ازدهر الجبل اللبنانيّ مِن الناحية الاقتصاديّة والثقافيّة والسياسيّة، وأمسى ملجأً للمضطَهَدِين وواحةً للحرّيّة والسلام. في ظلّ الحكم العثمانيّ، حلّ المعنيّون محلّ التنّوخيّين في تولّي إمارة لبنان الأوسط، وبنو عسّاف التركمان تولّوا كسروان وجبيل، وبنو حرفوش البقاع وبعلبك، والشهابيّون وادي التيم. أمّا الموارنة، التابعين لدائرة طرابلس، فقد احتفظوا بمقدِّمين مِن بينهم، يجبون الضرائب للسلطنة.

 

الموارنة وفخر الدين المعنيّ الثاني (1572 - 1635)
عام 1605، احتلّ فخر الدين كسروان بمؤازرة الموارنة، فتوطّدت علاقته بهم. سنة 1615، انتقلت زعامة ولاية كسروان مِن أمراء بني سيفا التركمان، المدعومين مِن الدولة العثمانيّة، إلى آل الخازن الموارنة بمباركة المعنيّين. كذلك، جَمَعَت البطريرك المارونيّ يوحنّا مخلوف، المُنتخَب سنة 1608، بفخر الدين صداقةٌ متينةٌ، فأقام في مجدل المعوش الشوفيّة تحت حمايته. لقد شجّع فخر الدين سلعًا تجاريّةً أهمّها الحرير الّذي امتاز بإنتاجه موارنة الشمال، فحثّهم على النـزوح إلى المناطق الدرزيّة وكسروان لتقوية الإنتاج، ممّا فعّل أيضًا زعامته السياسيّة. عزّز ولاء الموارنة لفخر الدين مصالح مشتركةٍ أهمّها: الاستقلال والسيادة، والانفتاح على أوروپا والنموّ الاقتصاديّ.
وحّد فخر الدين، تحت سلطانه المطلق، كلّ المناطق اللبنانيّة، مُحرِّرًا إمارته مِن كلِّ ولايةٍ، فمهّد لنشأة الكيان اللبنانيّ.
في عهد الأمراء المعنيّين (1516 - 1697)، انتقل البطريرك العلاّمة إسطفان الدويهي (1670 - 1704)، المؤرّخ واللاهوتيّ والمفكِّر والمصلح الكنسيّ الليتورجيّ، مِن دير قنّوبين إلى مجدل المعوش، عند الأمير المعنيّ، وبقي هناك ثلاث سنواتٍ هربًا مِن مضايقات الحماديّين.

 

الموارنة وروما
سنة 1569، زار لبنان الأب جان فرنسيسكو موركاشي، القاصد الرّسوليّ، للتأكّد مِن إيمان الموارنة وبطريركهم ميخائيل الرزّي، قبْل منحه درع التثبيت، فقال: "... وجدتُ في هذا الشعب بساطة ً ومحبّةً واستعداد نفسٍ عظيمًا لطاعة الكنيسة الرومانيّة..."، أمّا الأب توما فيتالي، الّذي زار لبنان عام 1643، فوجد أبناء مارون "أشدّ كاثوليك العالَم تعلّقـًا بالكرسيّ الرّسوليّ...".
والجدير بالذكر أنّ البطاركة والإكليروس، بالرّغم مِن طاعتهم لروما، حرصوا على الاحتفاظ بخصائص الكنيسة المارونيّة وتراثها الأنطاكيّ الشرقيّ وطقوسها، متصَدِّين لتيّار "الليْـتـنَة" Latinisation الـمُتنامي تدريجيًّا بسبب تزايد نشاط المرسَلين الكاثوليك اللاتين في لبنان.
وقد تكون الحادثة الأخطر في هذا الصدّد، عمليّة إحراق كتبٍ ومخطوطاتٍ مارونيّةٍ قام بها الأب اليسوعيّ يوحنّا أليانو، عام 1596، بحجّة مخالفتها، حسب رأيه، الكنيسة الرومانيّة عقائديًّا وفكريًّا، ففقدَت كنيستنا تراثًا حضاريًّا لا يُعوَّض!
ومِن المعروف أيضًا أنّ جبرائيل ابن القلاعي اللّحفدي (+1516)، هو أوّل كاتبٍ مارونيّ كبيرٍ وأوّل مَن قرأ الكتب اللاتينيّة، لَبِس إسكيم مار فرنسيس، وأنهى حياته أسقفـًا مارونيـًّا على قبرص.

 

الموارنة والأمراء الشهابيّون (1697 - 1842)
عام 1697، انتقل حكم الإمارة مِن المعنيّين الدروز إلى الشهابيّين السنّة نتيجة تصاهر العائلتين. سنة 1770، بعدما سمح الأمير ملحم لولديه بأن يتـنصّرا، بدأ عهد الشهابيِّين النّصارى. بسبب الصراع الدرزيّ الداخليّ وانتشار الموارنة ورسوخ علاقاتهم بأوروپا، انتقلت السيطرة السياسيّة إليهم.
أضِف إلى ذلك، أنّ إنشاء المدارس في كلّ القرى المارونيّة الجبليّة، كما أوصى الـمَجمع اللبنانيّ، زاد مِن طبقة المتعلّمين وجعلهم يتبوّأون المناصب العُليا. حينها، اعتمد الأمير بشير الثاني بن قاسم الشهابيّ (1788 - 1840) سياسة قمْع وتصفية مُعارِضيه واسترضاء الولاة وفرْض الضرائب الباهظة والتنعّم بمظاهر الأبّهة. عندها، جابهه البطريرك يوسف التيّان (1796 – 1808)، المشهور بعِلمه وزهده وحُسن إدارته، وهدّده بالحرم إن استمرّ بنهجه. فما كان مِن الأمير إلاّ أن استعمل نفوذه، لدى الكرسيّ الرسوليّ، لإرغامه على الاستقالة، فنجح. انتُخب يوحنّا الحلو (1808 – 1823) خلفـًا للتيّان، فكان دبلوماسيـًّا ماهرًا؛ لطّف الأمور وانصرف إلى إصلاح ما أمكَن، لكنّ سياسة بشير أدّت إلى تأجيج الصّراعات الطائفيّة، خصوصًا بين الموارنة والدروز.
بعد تبوّئه السُدّة البطريركيّة، وجّه يوسف حبيش (1823 – 1845) نداءً دعا فيه الموارنة إلى مقاومة الاحتلال المصريّ المدعوم مِن الأمير بشير، والتضامن مع الطوائف الأُخرى، كما هدّد بإلقاء الحُرم على كلّ مَن لا يستجيب، وتصدّى للسياسة الأنكلو - عثمانيّة السّاعية للقضاء على الإمارة اللبنانيّة. عام 1840، استجاب اللبنانيّون للنداء، مُعلنِين ثورة ً دَحَرت المصريِّين وأزالت حُكْم الأمير.
في عهد الإمارتين المعنيّة والشهابيّة، اتّصل الموارنة بالخارج، بُغية كَسْر طوق الجهل، فنشأت المدرسة المارونيّة في روما عام 1584، لتخريج إكليريكيّين يُعلِّمون لاحقًا شعبهم. سنة1610، أُحضِرت أوّل مطبعةٍ في الشرق إلى دير مار أنطونيوس - قزحيا.

 

نظام القائمقاميّتين (1842 - 1860)
بعد نهاية الحكم الشهابيّ ووقوع اصطداماتٍ بين الدروز والموارنة عام 1841، بتحريضٍ خارجيّ، قُسِّم جبل لبنان إلى قائمقاميّـتـين: الأولى شماليّةٌ يُديرها مارونيٌّ وقاعدتها بكفيّا، مدعومةٌ مِن فرنسا، والثانية جنوبيّةٌ يُديرها درزيٌّ وقاعدتها بيت الدين، مدعومةٌ مِن إنكلترا، فتكَرَّس الانقسام الطائفيّ. سنة 1845، تجدّدت الفتنة لتنفجر في العام 1860 اقتتالاً لا مثيل له، دَفَع ثمنه الموارنة في القائمقاميّة الدرزيّة تشريدًا وتدميرًا وتجويعًا وذبحا. سنة 1861، أُقِرّ نظام "المتصرّفيّة" الجديد، بتدخّلٍ عثمانيّ - أوروبيّ.

 

نظام المتصرّفيّة (1861 - 1915)
رَفض البطريرك بولس مسعد مبدأ تعيين حاكمٍ أجنبيّ على "لبنان الصّغير" وِفق النظام الجديد. وقاد يوسف بك كرم، قائمقام المنطقة المارونيّة الشماليّة السّابق، عصيانًا، ساهم في نَفيه قَبْل إسقاط المتصرِّف، بضغطٍ مِن قناصل الدول مع حمايةٍ فرنسيّة. بعد فشل التحرّك، عمّ شعور الاستياء في نفوس موارنة الشّمال طوال عهد المتصرّفيّة، لكنّ الأساقفة لعبوا دورًا كبيرًا في الدفاع عن كرامة الطائفة وحقوق اللبنانيّين. سنة 1874، هدّد المتصرِّف فريقـًا مِن رهبان دير قزحيّا البلديّين وعنّفهم بكلامٍ جارحٍ، فضربوه، ثائرين، بزنانيرهم الجلديّة.
نَعِمَ لبنان بالأمان والازدهار، فأُطلِقت نهضةٌ علميّةٌ فكريّةٌ ثقافيّةٌ أدبيّةٌ أيْنَعَت في عهد فخر الدين ونَمَت مع بشير الثاني، وساهم بها البطاركة والأساقفة الموارنة بشكلٍ فاعلٍ، مُستفيدين مِن إشعاع وزخم المدرسة المارونيّة في روما؛ أنشأ البطريرك يوحنّا مخلوف (1608 – 1633) أوّل معهدَين للتعليم العالي في حوقا وبقرقاشا سنة 1624، ثمّ تأسّست المدارس والمعاهد والجامعات. تميّزت هذه الحقبة بحركة هجرةٍ لموارنة الجبل باتجاه مصر والأميركيّـتين وأفريقيا الغربيّة وأستراليا، لينتقل الإبداع اللبنانيّ ويُزهر في جميع أقطار العالَم.

 

الموارنة والحرب العالميّة الأولى (1914 - 1918)
على أثر نشوب الحرب العالميّة الأولى، انهار نظام المتصرّفيّة في لبنان، وتعرّض اللبنانيّون جميعًا لكلّ أنواع التنكيل والتعذيب والقهر والتجويع مِن قِبَل سلطنةٍ عثمانيّةٍ انتشر جيشها في مناطق جبل لبنان خارِقـًا استقلالها الداخليّ.
في 22 آذار سنة 1915، أُعدِم الخوري المارونيّ يوسف الحايك، كاهن رعيّة سنّ الفيل، شنقـًا في دمشق، مُفتتِحًا قافلة الشهداء. وبعدُ، حاول جمال باشا القضاء على البطريرك الياس الحويّك (1898 – 1931)، نظرًا لمكانته في نفوس اللبنانيّين وتأثيره في الأحداث ونضاله ضدّ الاحتلال، بَيْد أنّه مُنِع مِن مضايقته بتدخّلٍ مِن قداسة البابا وضغطٍ مِن أمبراطوريّة النمسا.

 

الموارنة ودولة لبنان الكبير (1 أيلول 1920)
بعد انتهاء الحرب العالميّة الأولى وزوال السّلطنة العثمانيّة، قَدَّم البطريرك المارونيّ مُذَكَّرة ً إلى مؤتمر الصلح، مُفوَّضًا مِن الشعب اللبنانيّ، تضمّنت المطالب الثابتة الّتي أقرّها مجلس الإدارة: "استقلال لبنان السياسيّ والإداريّ بحدوده الجغرافيّة والتاريخيّة واعتبار الأراضي المُغتصَبة، منذ سنة 1861، لبنانيّة". في 1 أيلول سنة 1920، بحضور حشدٍ تقدّمه البطريرك الياس الحويّك والمفتي مصطفى نجا، أعلن المفوّض الساميّ، الجنرال غورو، في احتفالٍ مَهيبٍ أمام قصر الصنوبر، "دولة لبنان الكبير" كدولةٍ مُستقِلّةٍ تحت الانتداب الفرنسيّ.
صفوة الكلام، أنّ الأوّل مِن أيلول شَهِد ولادة كيانٍ لطالما حَلِم به الموارنة مساحة ً روحيّة ً حضاريّة ً مُشرِقة ً، تستقي ديمومتها وازدهارها مِن أرض لبنان، وتُجسِّد القيم والمسلّمات الّتي ترعرعت في وجدان "الأمّة المارونيّة" منذ قيامها. علاقة الموارنة بلبنان، وطن الحرّيّة والقيم والإنسان، أشبه بعلاقة الجنين برحم أمّه، دَفعت البطريرك ليختار شعارًا تاريخيًّا صدّر به جبهة صَرْحِه: "مجدُ لبنان أُعطِي له".

 

عبرةٌ مِن التاريخ
لاحَظ الرحّالة الفرنسيّ فولنيه، بزيارةٍ إلى لبنان بين العامَين 1782 و1785، أنّ "هذه الجماعة (المارونيّة)... الّتي يحيط بها أعداءٌ أقوياء، لم تستطع مقاومتهم إلاّ بفضل وحدة أبنائها. ولم تقم هذه الوحدة إلاّ على قدر ما امتنع الموارنة عن اضطهاد بعضهم بعض". فهل تجد اليوم كلماته، وما استعرضنا، آذانًا صاغية ً تُحسن قراءة التاريخ؟!

 

خاتمة
"كان الموارنة يُدافعون عن إيمانهم، صادّين الغزوات عن واديهم "قاديشا"، وادي القدّيسين، وجميع مغاوره لا تزال إلى اليوم تضمّ عظام شهدائهم أولئك في سبيل الدّين المسيحيّ... إنّه لأسهل على الأعداء، أيًّا كانوا، أن يُزعزعوا جبال لبنان مِن أساساتها، مِن أن يُضعِفوا الإيمان المسيحيّ في قلوب أصحابه الموارنة بأيّ مساس" (المستشرق النمساويّ المونسينيور مسلين "القرن التاسع عشر").


مِن قمّة الوداعة والعراء "قلعة كالوتا"، إلى وادي السموّ والقداسة "قاديشا"، دروبٌ مُكلّلةٌ بالإيمان والشهادة سَلَكها الموارنة الأوّلون، بتسليمٍ مُطلقٍ للعناية الإلهيّة، فعَصَرهم الاضطهاد، على مائدة الكرّام الإلهيّ، خمرة ً جيّدة. لقد قاسوا اضطهاداتٍ شتّى، وكأنّ دعوتهم أن يُساكنوا العليّ في حياة الزهد والذوبان في ذاتيّة المسيح، فارتقى نسّاكهم إلى مصافي كبار القدّيسين، ساكبِين فينا نِعَمَ السماء.


"إنّنا مِن أجْلك نُعاني الموت طول النهار. قد حُسبنا كأنّنا غنمٌ للذبح! ولكنّنا في ذلِك كُلِّه، نُحرز ما يفوق الانتصار على يد مَن أحبّنا" (روم 36/8 - 37). كلماتٌ ردّدها أبناء مارون كلّما تسلّط عليهم سيف الحقد واشتدّت دائرة الخطر.


عَبْر تاريخها الطويل، ازدهرت وثَبتت الكنيسة المارونيّة المُجاهدة وصُوِّبت خياراتها، بفعل الشهادة والاستشهاد، فـ "كانت تنمو وتسير في خوف الربّ وتتكاثر بمعونة الرّوح القدس" (أع 36/9). "...الشّهادة هي أنَّ الله أعطاهم الحياة الأبديّة، وأنّ هذه الحياة هي في ابنه" (1يو 11/5)، هي فعل إيمانٍ وافتخارٍ بتدبير الله الخلاصيّ الّذي تحقـّـق بالكلمة الإلهيّ المُتجسِّد. ويأتي الاستشهاد دفاعًا عن القيم الإنجيليّة الرّاسخة، وتثبيتًا للإيمان الكاثوليكيّ القويم، ليُكلِّل مسيرة شهادةٍ طويلةٍ؛ إنّه مصيرٌ حتميٌّ لمَن وقفوا حصنًا منيعًا في وجه الهرطقات والبدع والغزاة، رافعين راية الصَّليب، قوّة الله.


وتبقى المارونيّة نبع قداسةٍ لا ينضب، تراثٌ روحيٌّ يشدُّ إلى عيش الإنجيل ببساطةٍ وأمانةٍ، بتفانٍ وبطولة. موجودةٌ، لا تشيخ ولا تهرم ولا يسبقها الزمن، إذ تستمدّ الحياة مِن تعليم يسوع المسيح، القائم فيه الزّمن وهو فوقه والّذي "هو هو أمس واليوم وغدًا" (عب 8/13). في النهاية، نردّد مع الأبّاتي بطرس فهد المريميّ، رجل العِلْم والمعرفة ومُترجِم كتاب الهُدى (دستور الطائفة المارونيّة في الأجيال الوسطى)، أنّ "الموارنة شعبٌ وفيٌّ أمينٌ متسامحٌ، أدرَك أنّ البقاء ليس للسّيف، بل للإيمان بالله وبالإنسان الحضاريّ".

 

مراجع
تاريخ الكنيسة - الأب الدكتور ناصر الجميّل.
  الموارنة تاريخ وثوابت - أنطوان خوري حرب.
  مار مارون والطائفة المارونيّة - العلاّمة الأب بطرس ضو.

موقع Lexamoris

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية